أسباب ودوافع الهبة الجماهيرية وسيناريوهات المستقبل

mansour

مقدمة:-
طرحت الهبة الجماهيرية التي انطلقت بعد خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة، والتي جاءت من جانب نتيجة توتر المشاعر الدينية للشعب الفلسطيني بسبب الاقتحامات الاسرائيلية المتكررة للمسجد الأقصى المبارك، ومحاولة فرض تقسيم زماني ومكاني فيه، وانسداد الأفق السياسي لعملية السلام من جانب أخر, بعد تخلى الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة عن الالتزام بالاتفاقيات السابقة مع منظمة التحرير الفلسطينية وأسس عملية التسوية ووصولها إلي طريق مسدود بعد تولي اليمن المتطرف سدة الحكم في إسرائيل عقب اغتيال إسحاق رابين. فقد طرحت هذه الهبة مجموعة من التساؤلات المشروعة.
هل هي ثورة، أم انتفاضة، أم هبّة، أم تحول استراتيجي، أم ثورة عاطفية، ام ردة فعل، أم تراكم نار تحت الرماد، ام تحسين شروط سياسية، أم اثبات وجود في زمن ادار الجميع ظهره لنا؟
وغير هذه الرزمة من الاسئلة هنالك الكثير، ورغم ان الجواب واحد عليها جميعا، الا ان هنالك من يصر على تقديم اجابات متعددة ليس وفق تحليل موضوعي لمسار الاحداث، وإنما وفق الاجندات التي تبنى عليها ، فمن تتطابق اجندته مع ادعاء انها انتفاضة مستمرة فهو يتبنى ذلك، ومن تنسجم رؤياه مع انها هبة مرشحة للهدوء، فهذا تحليله ووصفه ورهانه، ومن يراها فرصة لتحسين الشروط فهي تحمل شيئا من هذا وفق ابسط قواعد العمل السياسي. لذلك فأن احد عوامل الضعف والتشتت الفلسطيني الاختلاف حول التسمية حول هذه الموجة الجديدة من النضال الوطني الفلسطيني.
وسوف تحاول هذه الورقة البحث في أسباب و دوافع الهبة الجماهيرية، وموقف الاطراف المؤثرة فيها، بالإضافة الي وضع مجموعة من السيناريوهات والمقاربات المستقبلية لفهم مستقبل الظاهرة في المنظور القريب.

أولا: أسباب ودوافع الانفجار
لقد رفعت الحكومة الإسرائيلية، خلال الأشهر الثلاث الماضية، من سقف مخططاتها تجاه القدس الأقصى، لقناعتها بأن العرب وخاصة الأنظمة الحاكمة، لم يعد يعنيها، كثيرا الملف الفلسطيني، بكل مكوناته، سواء كان ذلك في البعد الإنساني كما هو الحال في غزة، أو مستوي البعد الديني كما الحال بالقدس، أو البعد السياسي التفاوضي.
لذلك فإن المحرك الرئيسي لهذه الهبة او الانتفاضة الذي يبدو بارزاً حتى اللحظة ، يتمثل في الجرأة الناتجة عن مخزون القهر والغضب والرفض لسياسات الاحتلال واستهتاره بحياة الفلسطينيين وحقهم في الوجود والعيش بكرامة على أرضهم، ولكنه لا يستثنى أيضا عوامل فشل أطراف الحركة الوطنية من تقديم اجابات مقنعة و مجدية على كيفية مواجهة المخططات الإسرائيلية ، أو إيجاد حلول جدية للقضايا المتفاقمة على الصعيدين الوطني والاجتماعي ، وخاصة لهذا القطاع الحيوي في المجتمع. لذلك تصدر الشباب المشهد حتي الآن( تصريح رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي: سبب العمليات هو اليأس والإحباط ..وعباس يحاول منع العمليات)
ومن جهة اخرى جاءت هذه الهبة الشعبية كردة فعل عن انسداد الأفق السياسي بعد فشل خيار التسوية والمقاومة في الحصول علي حقوق الشعب الفلسطيني، ووصول عملية السلام الي طريق مسدود، في ظل تقاعس أمريكي فاضح عن إجبار اسرائيل بالالتزام بمبادئ عملية السلام وتخلي الحكومة الاسرائيلية ورئيس وزرائها عن خيار حل الدولتين، بالإضافة الي الاجراءات الاسرائيلية الأخيرة بحق المسجد الأقصى المبارك، ومحاولة الحكومة الاسرائيلية والمتطرفون فرض تقسيم زماني ومكاني بالمسجد الاقصى المبارك، كضريبة سياسية حاول نتنياهو تقديمها لقادة اليمين والمستوطنين مكافئه لهم علي المساعدة في نجاحه في الانتخابات الكنيست السابقة، الأمر الذي أدى الي تفجير الأوضاع واندلاع هذه الهبة الشعبية الجديدة في فلسطين التاريخية “قطاع غزة والضفة والقدس وأراضي 48 ” لكي تشكل اضافة جديدة للنضال الوطني الفلسطيني الحافل بالعديد والعديد من الهبات الشعبية والانتفاضات الجماهيرية والثورات العسكرية علي مدار تاريخ النضال الفلسطيني الذي انطلق منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917م وحتى الآن.
ويمكن تحديد أسباب ودافع هذا الانفجار في النقاط التالية:
( هناك العديد والعديد من المقالات والدراسات التي صدرت خلال الشهر الماضي التي تناولت الهبة او الانتفاضة ،والتي تجمع معظمها علي الاسباب التالية)
محاولة المساس بالمقدسات الدينية لدى الشعب الفلسطيني، بعد سلسلة الاقتحامات المتكررة من قبل قادة اليمن المتطرف للمسجد الأقصى المبارك تحت حماية الجيش والشرطة الاسرائيلية ومحاولة فرض تقسيم زماني ومكاني فيه.
انسداد الافق السياسي ووصول عملية السلام الي طريق مسدود تماما.
الاجراءات الاسرائيلية المتمثلة في مصادرة الاراضي، وبناء الجدار العازل، وتهويد القدس، والحواجز العسكرية في مدن الضفة الغربية.
الحروب المتكررة التي تشنها اسرائيل علي قطاع غزة، وفرض حصار عليه الامر الذي ادي الي زيادة معدلات الفقر والبطالة.
الانقسام الفلسطيني الذي اضر بالقضية الفلسطينية على المستوي السياسي وبالإنسان الفلسطيني علي المستوي الاقتصادي والاجتماعي.
فقدان الأمل لدي الشباب في تأمين مستقبل لهم في ظل الانقسام الفلسطيني الذي ترك الشباب الفلسطيني في وضع مأساوي.
فكل هذه الأسباب وغيرها أدت في نهاية الأمر لانطلاقة هذه الموجه الجديدة من النضال الوطني الفلسطيني، والتي يتم فيها الخلط ما بين المقاومة السليمة، وما بين العمليات الفردية الاستشهادية باستخدام ” الطعن بالسكين” وما بين النضال بالحجر والمقلع والتظاهرات والمواجهات اليومية عند نقاط التماس وحواجز الجيش الاسرائيلي المنتشرة علي مداخل المدن والقري بالضفة الغربية وقطاع
ثانيا: العناصر المؤثرة
هنالك اربع لاعبين على الارض الضيقة، والمزدحمة بالمتعارضات والمتناقضات والمفاجآت، اللاعب الاول اسرائيل الدولة المحتلة، واللاعب الثاني السلطة في الضفة، واللاعب الثالث حركة حماس في غزة، واللاعب الرابع المستوي الدولي والإقليمي.
اللاعب الاسرائيلي
بالنسبة للاعب الاسرائيلي، هناك اختلاف داخل اسرائيل على وصف ما يجري الا ان اختلاف الوصف بالنسبة له لا يؤثر اطلاقا على اتجاه الجهد الرئيسي الذي تنفذه حكومة دولة الاحتلال في الميدان التي تهدف من خلاله الي احكام القبضة الأمنية ومنع استمرار تدهور الاوضاع وصولاً الي الانتفاضة الشاملة. الأمر الذي تخشي منه اسرائيل وتعمل لمنعه.
وفي هذا السياق قالت صحيفة “رأي اليوم” في عددها الصادر يوم الأحد 4-10-2015، أن الإعلام الإسرائيليّ على مختلف مشاربه عكس حالة التخبط والارتباك، لا بلْ الأزمة السياسيّة، التي تعيشها “دولة” الاحتلال الإسرائيلي في هذه الأيّام على وقع التدهور الخطير في الحالة الأمنيّة، نظرًا لقيام الفلسطينيين بتنفيذ عمليات فدائيّة على الرغم من أنّ الاحتلال استنفذ جميع الطرق والوسائل لإخضاع الشعب العربيّ الفلسطينيّ.
كما صرخ العنوان الرئيسيّ في صحيفة (يديعوت أحرونوت)، التي حذّر محللها الاستراتيجي والعسكريّ، أليكس فيشمان من مواصلة تردّي الأوضاع الأمنيّة وانعدام الثقة بالمؤسسة الحاكمة، من المستويين الأمنيّ والسياسيّ، وفي الوقت عينه جزمت صحيفة (هآرتس) في عنوانها الرئيسيّ أنّ عملية السبت 10/10/2015م، في شارع الواد بالقدس المُحتلّة، وهو الشارع الأكثر حراسةً في (إسرائيل)، تؤكّد لكلّ مَنْ في رأسه عينان على أنّ سياسة حكومة بنيامين نتنياهو في حفظ الأمن والاستقرار هي سياسة فاشلة، ولا تحمل في طيّاتها أيّ أملٍ يُذكر، على حدّ تعبيرها.
المتغير الجديد الذي احدثته الهبة الجماهيرية ، هي انها نقلت المعادلة التي كانت قائمة في السابق بين الشعب الفلسطيني بكل مكوناته من سلطة وفصائل ومؤسسات رسمية وغير رسمية والجيش واجهزة الامن الاسرائيلية الي الشعب الفلسطيني” والشعب الاسرائيلي”
الامر الذي يؤكد ان الأزمة في اسرائيل انتقلت من المستوي السياسي الي المواطن العادي، بعد أن فقد هذا المواطن الشعور بالأمن الشخصي والجماعي رغم امتلاك اسرائيل ترسانة هائلة من الأسلحة النووية والتقليدية. لذلك تحاول اسرائيل من خلال التهديدات التي يطلقها رئيس الحكومة وبعض الوزراء كبح جماح الهبة الجماهيرية، بهدف عودة الهدوء الي سابق عهده، وعدم استمرار الاحداث وصولا الي الانتفاضة الشاملة، كما حدث عام1987/2000م
موقف السلطة الفلسطينية وحركة فتح
تتعاطى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية مع الوضع من منطقة مليئة بالحرج، ولقد فرض عليها واقع لا خيارات مريحة فيه، فأين ما اتجهت تجد من يندد ويدين ومهما عملت فقدراتها على انتاج خلاصات حاسمة محدودة تماما امام كثافة التدخل الاسرائيلي وصراع الاجندات والشعارات الحزبية الداخلية.
ومن جهة أخرى تسعي السلطة الفلسطينية وحركة فتح إلي استثمار هذه الهبة الشعبية لتحسين الوضع التفاوضي وإجبار اسرائيل على الالتزام بالاتفاقيات السابقة، والدخول في مفاوضات جدية من أجل التوصل لاتفاق سلام وفق شروط مختلفة وضمانات دولية من مجلس الأمن، بالإضافة الي وقف الاجراءات الاسرائيلية بحق المسجد الأقصى المبارك، وفي هذا السياق اكد الرئيس محمود عباس في خطابه الموجه للشعب بتاريخ 14/10/ 2015 وذلك بمناسبة الاحداث الجارية
“إننا سنواصل مع شعبنا نضالنا السياسي والوطني والقانوني، ولن نبقى رهينة لاتفاقيات لا تحترمها إسرائيل. وأضاف، أن الهجمة العدوانية الإسرائيلية التي تتصاعد على شعبنا وأرضه ومقدساته، بشكل يهدد السلام والاستقرار، ينذر بإشعال فتيل صراع ديني يحرق الأخضر واليابس، وأكد أنه لن يتحقق السلام والأمن والاستقرار إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس الشريف على خطوط الرابع من حزيران 1967، داعيا أبناء شعبنا، أينما كان مكان تواجدكم، إلى التلاحم والوحدة واليقظة لمخططات الاحتلال الرامية إلى إجهاض مشروعنا الوطني، ونحن لن نتوانى بالدفاع عن أبناء شعبنا وحمايتهم وهذا حقنا”.
لذلك فان موقف السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح يقوم علي أساس بقاء الهبة في اطارها الشعبي والسلمي بهدف استثمار الاوضاع لتحسين شروط التفاوض واجبار اسرائيل والمجتمع الدولي علي الالتزام بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وعدم عسكرة الامور وتكرار تجربة انتفاضة الأقصى السابقة.
موقف حركة حماس
اللاعب الثالث في هذه المعادلة الذي يحاول استغلال الاحداث بصورة تخدم مصالحة ومشروعه وصراعه السياسي مع السلطة وحركة فتح، فحركة حماس لا هم لها الا اثبات ان السلطة في الضفة متواطئة ومتآمرة وحتى خائنة، دون الانتباه الى ان الحال من بعضه، فهناك في غزة سياسة تقوم علي اساس اتهام السلطة بالتنسيق الامني والتواطؤ علي الانتفاضة الشعبية.
وهناك من ينظر الي الوضع في قطاع غزة من زاوية اخري مختلفة تماما، فتري دراسة صادرة عن دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفيّ ، ان غزة لم تخرج من دائرة الصراع والمواجهة مع الاحتلال، ان ما يطلبه قادة حماس هو مجرد استراحة محارب، حيث تقول الدراسة ” والحالة في قطاع غزة اليوم تختلف بحكم تغير قواعد اللعبة الاقليمية أساساً والتي تحدّ من قدرة قوى المقاومة على مواجهة دائمة ومكلفة، حتى لو كانت تمتلك النضوج الماديّ والعسكري للقيام بذلك. غزة اليوم هي غزة الجولات والتوازن التي فرضت معادلات قوة وردع مع العدوّ”. وفي هذا السياق وأكد الدكتور موسي ابو مرزوق على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسوك، “على أهمية عدم حرف البوصلة تجاه قطاع غزة، وقال بهذا الصدد نحن في عمق انتفاضة القدس ولها أهدافها وسياساتها وأدواتها، ولا نريد أن ندفع دماء أبنائنا ونسائنا ثم لا نحقق ما انتفضنا لأجله” ، وهذا الموقف يتفق إلي حد كبير مع موقف حركة فتح والسلطة الفلسطينية، رغم اختلاف النوايا والاهداف من خلفه.
لذلك تحاول حركة حماس استغلال هذه الهبة الشعبية والجماهيري بهدف زعزعة الاستقرار في الضفة الغربية من خلال التأكيد علي استمرارية الهبة الشعبية في مناطق الضفة الغربية القدس واراضي 48، وعدم نقلها بأي حال من الأحوال لقطاع غزة، من أجل ضمان استقرار الأوضاع في غزة وعدم تحويل المعركة نحو حماس في غزة، وفي هذا السياق” دعا نائب رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس موسى أبو مرزوق إلى حوارات وطنية فقط حول تطوير انتفاضة القدس وتوفير سبل نجاحها”. وتأتي مطالبات حركة حماس بتطوير الانتفاضة ودعمها في الوقت الذي لم تمتلك فيه الحركة الشجاعة لتفعيل ملف المصالحة وإنهاء الانقسام والذي بمقتضاه يعزز من مقومات الصمود الشعبي والموقف الفلسطيني الرسمي!!!.
الموقف الدولي والاقليمي
أبدى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قلقه البالغ إزاء هذه الأحداث والاستفزازات، مؤكداً أن كافة الإجراءات التي تتخذها إسرائيل والرامية إلى تغيير طابع ومركز مدينة القدس ليس لها أية صلاحية قانونية وأنها تتعارض مع أحكام القانون الدولي وتقوض إمكانية تحقيق حل الدولتين، ودعا الأمين العام كافة الأطراف للالتزام بضبط النفس واحترام حق الحرية الدينية وقدسية الأماكن المقدسة.
وفي بيان باهت نددت الولايات المتحدة الأميركية بـ “كل أعمال العنف” خلال اليومين الأخيرين في باحة المسجد الأقصى داعية إسرائيل والفلسطينيين إلى تجنب أي “عمل استفزازي”.
ومن جانبه قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس اليوم الأربعاء14/10/2015 من الضروري ان يدفع المجتمع الدولي إسرائيل والفلسطينيين إلى إرساء السلام لأن الوضع في طريقه إلى الخروج عن السيطرة, وأوضح لأعضاء البرلمان “الوضع متوتر جدا.” سمعتموني مرارا وأنا أقول إن عدم القيام بأي شيء يؤدي لاشعال الأوضاع, وهذا ما يحدث اليوم” . ولهذا تطلب فرنسا أن يكون هناك إجراء وليس فقط من البلدين فلسطين وإسرائيل اللتين يجب أن يعملا معا وانما يجب أن يكون هناك إطار عمل وتعاون دولي للتفاوض على السلام.
وفي سياق التحرك الدولي كشف مسؤول فلسطيني رفيع المستوى، عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري للمنطقة نهاية الأسبوع المقبل، لطرح مبادرتين جديدتين للتهدئة واستئناف المفاوضات من جديد بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
المتغير الجديد الذي دخل على خط المعادلة هو التداخل الروسي في سوريا
يبدو أن الجهود المكوكية التي تشرع بها جهات دولية وعلى رأسها الأمريكية بقيادة وزير خارجيتها جون كيري قد وضعت يدها الأولى على رقبة الهبة الجماهيرية الفلسطينية في ضمان خنقها أو طمسها ، بعد إعلان كيري اتفاقا بين الجانبين الأردني والإسرائيلي على اتخاذ تدابير جديدة بخصوص المسجد الاقصى في مسعى لإنهاء موجة العنف بين الاسرائيليين والفلسطينيين وقد التقى العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني اليوم السبت 24/10/ 2015 وزير الخارجية الأميركي جون كيري، حيث جرى بحث عدد من القضايا في المنطقة، خصوصا الأوضاع في القدس، وجهود إحياء عملية السلام (المفاوضات) بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وتهدف زيارة كيري للمنطقة إلى عودة الهدوء بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد اندلاعها منذ ثلاثة أسابيع بسبب الانتهاكات الاسرائيلية بحق المسجد الأقصى المبارك واقتحامات المستوطنين.
وخلال الاجتماع في العاصمة الاردنية عمان ابلغ كيري ابو مازن والوفد المرافق له بموافقة نتنياهو على اعادة الوضع في المسجد الاقصى الى ما كان عليه دون توضيح ذلك، بينما طالب ابو مازن ان تعود الاوضاع في الاقصى الى ما كانت عليه قبل العام 2000.كما ابلغ كيري ابو مازن بموافقة نتنياهو على عدم طرح اية عطاءات استيطانية جديدة والعمل على ضبط المستوطنين ومنع اعتداءاتهم على المواطنين.
وكانت صحيفة “يديعوت احرونوت”، ذكرت ان نتنياهو كان تعهد لكيري بعدم السماح لليهود بالصلاة في المسجد الاقصى المبارك. وان لقاء سيجمع قريبا بين مسؤولين اسرائيليين ومسؤولين من الاوقاف لإعادة الاوضاع في الاقصى الى ما كانت عليه.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنّ إدارة أوباما بقي من ولايتها نحو 14 شهرًا فقط؛ فإذا كانت غير قادرة خلال السنوات السبع السابقة على الضغط على حكومة نتنياهو للمضي قدمًا نحو تسوية سياسية مع الفلسطينيين، فليس هناك اليوم ما يشير إلى أنّ نتنياهو سيتراجع أمام ضغوط إدارة أميركية بات أمامها فترة محدودة لترحل، وفي وقتٍ يتنافس فيه المرشحون الرئاسيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على خطب ودّ إسرائيل والتقرّب منها. كما أنّ إدارة أوباما التي نجحت في إنجاز اتفاقٍ نووي مع إيران ليست معنية بـ “إرث رئاسي” آخر من قبيل التوصل إلى تسوية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبخاصة أنها بذلت جهدًا سابقًا في هذا الشأن، وفشلت نتيجة لافتقادها الإرادة والتصميم على إجبار إسرائيل على التزام مقتضيات استئناف عملية السلام، وعلى رأسها تجميد الاستيطان.

لذلك تشهد المنطقة والاراضي الفلسطينية خلال هذه الفترة حراك سياسي دولي، بهدف امتصاص الهبة الشعبية وإخراج حكومة الاحتلال من المأزق السياسي والأمني الذي وقعت فيه، نتيجة قوة هذه الهبة ، وعجزها عن فعل أي شيء لوقف تلك المظاهرات وعمليات الطعن، وتحريك عملية السلام من خلال طرح مبادرة امريكية جديدة بالتوافق مع الاتحاد الاوروبي.

ثالثا: سيناريوهات مستقبل الهبة الشعبية
أن مستقبل أي ظاهرة سياسية يخضع لمجموعة من العوامل والشروط، التي إن توفرت كانت عامل مساعد في استمرار الظاهرة وتطورها، بغض النظر عن دوافع هذه الظاهرة واسبابها، فكل ظاهرة سياسية تحمل عوامل قوتها وعوامل ضعفها وانحلالها، كما قال هيجل فيلسوف العقل.
لذلك تمثل عفوية الهبة الشعبية وغياب الحاضنة السياسية والاجتماعية والفصائلية لها، والتخوف من نقل المعركة لغزة وعسكرة الانتفاضة بالضفة الغربية معضلة كبيرة أمام جميع الأطراف.
الأمر يفتح الباب أمام وضع مجموعة من السيناريوهات والمقاربات لمستقبلية، والتي تحاكي مستقبل الظاهرة السياسية وفرص نجاحها واستمرارها في المنظور القريب:
سيناريو الانفجار الشامل
يقوم هذا السيناريو علي فرضية تصاعد المظاهرات الشعبية والعمليات الفردية (كماً ونوعاً) وصولاً لانتفاضة شاملة في أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا السيناريو يتطلب توفر مجموعة من الشروط الضرورية اللازمة لانتقال الاوضاع الي الانتفاضة الشاملة، منها توفير الحد الأدنى من التوافق الوطني من خلال العمل الجاد لإنهاء الانقسام، وتشكيل قيادة جماعية، علي غرار (لجنة القوي الوطنية الاسلامية) التي تم تشكيلها اثناء انتفاضة الاقصى عام 2000، ووقف التراشق الاعلامي والتحريض، وتوفير حاضنة سياسية واقتصادية للشهداء والجرحى، بهدف دفع الامور نحو التصعيد والمواجهة.
ويتوقف تحقيق هذا السيناريو أيضا علي طبيعة ردة الفعل الاسرائيلية والاجراءات العقابية، من اعمال قتل برم بارد وسحب هويات وترحيل أهالي الشهداء الامر الذي يمكن أن يدفع الأمور نحو التصعيد كما حدث عام 2000م، فالتصعيد الاسرائيلي وأعمال القتل هي بمثابة صب الزيت علي النار المشتعلة. فكلما زادت اعمال القمع الاسرائيلية اشتعلت الامور علي الأرض.

سيناريو الذوبان
يقوم هذا السيناريو علي فرضية أن الهبة الجماهيرية الحاصلة الآن، سوف تنتهي وتتلاشي من تلقاء نفسها، نتيجة غياب الرؤية والبرنامج والقيادة التي تقود هذه الهبة الجماهيرية نحو والاستمرار والتصعيد باتجاه الانفجار الشامل، وذلك نتيجة لملل الشباب من المواجهة مع جيش الاحتلال، وغياب الحاضنة السياسية والاقتصادية من جانب، وقوة الاجراءات الاسرائيلية في مواجهة التظاهرات من اعمال قتل واعتقال من جانب أخر، في ظل استمرار الانقسام والنكاف السياسي بين حركة فتح وحماس.
وهذا السيناريو يشكل خطراَ علي المشروع الوطني لأنه يفقد القضية الفلسطينية أحد أهم ادواتها التي امتلكتها خلال الايام الماضية.
وبالإضافة الي ذلك هذا السيناريو تراهن عليه اسرائيل وتحاول تحقيقه بهدف عدم اعطاء القيادة الفلسطينية فرصة لتحقيق مكاسب سياسية من تلك الأحداث، الامر الذي يمكن أن ينعكس بشكل سلبي علي السلطة الوطنية وحركة فتح في الضفة الغربية.
سيناريو المراوحة
يقوم هذا السيناريو علي فرضية بقاء الاحداث والمظاهرات في حدها الأدنى فترة من الزمن قد تستمر أشهر، بحيث تراوح الهبة الجماهيرية في المنطقة ما بين( التصعيد والذوبان)، مما يعني عدم انتقال الأحداث والأمور الي انتفاضة شاملة وكاملة، وعدم ذوبان الهبة وتلاشها برجوع الوضع الي سابق عهده.
وذلك انتظاراً لتطورات الاحداث الداخلية الفلسطينية التي يمكن أن ينتج عنها توحيد الصف الوطني الفلسطيني وانهاء الانقسام كشرط من شروط نجاح أي انتفاضة فلسطينية جديدة، أو انتظارا لتطورات الوضع الدولي الاقليمي، الذي يمكن أن ينتج عنه مبادرة سياسية واقعية تقوم علي أساس وضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وهذا السيناريو هو المرشح من وجهة نظر الباحث الي التحقق نظراً لتعقد الموقف الفلسطيني الداخلي، وخشية جميع الاطراف من تصعيد الأمور لعدم تكرار تجارب سابقة.
خاتمة
تعتبر الهبة الجماهرية التي انطلقت بعد خطاب الرئيس محمود عباس” ابو مازن” في الأمم المتحدة، نقطة تحول رئيسية في النضال الوطني الفلسطيني، والتي جاءت نتيجة تكامل عدة عوامل وأسباب دينية وسياسية دفعت بالشاب الفلسطيني الذي فقد الأمل في مستقبل زاهر، نحو المواجهة مع قوات الاحتلال الاسرائيلي تعبيراً عن الرفض بالمساس بالمقدسات والتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية ورفضا للانقسام الفلسطيني، الأمر الذي فتح الباب أمام وضع مجموعة من السيناريوهات التي حاولت اجتراح عدة مسارات مختلفة يمكن أن تسير فيها الأحداث خلال الفترة القادمة، والتي تجمع ما بين الانفجار والذوبان والمراوحة في نفس المربع، في محاولة لفهم تطور الأحداث في المنظور القريب، ورغم كل تلك السيناريوهات والمقاربات تبقي كل الخيارات مفتوحة وواردة وذلك نظراً لتطور الأحداث والمستجدات علي الأرض واردات الفعل من جميع الاطراف.
توصيات
العمل علي ضرورة بقاء الهبة الشعبية في اطارها السلمي بهدف سحب المبررات من آلة القتل الاسرائيلي بالتغول في الدماء الفلسطينية الطاهرة.
العمل علي توحيد الصف الوطني الفلسطيني بهدف توفير حاضنة سياسية واقتصادية واجتماعية للشباب في المواجهة مع الاحتلال الاسرائيلي ، بما يعزز الحقوق الوطنية الفلسطينية
العمل على زيادة المشاركة الجماهيرية في الهبة الشعبية من كافة فئات الشعب الفلسطيني، بهدف اعطاء رسالة للشباب المنتفض بانهم ليسوا وحدهم في الميدان.

إعداد الباحث / منصور أبو كريم

الشبكة العربية لكتاب الرأي والإعلام