قطاع غزة سيناريوهات محتملة.. ومخطط وحيد!!

mans

منصور أبو كريم

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات لدولية

خلال الأيام الماضية عُقد في الأراضي الفلسطينية أكثر من مؤتمر فكري وسياسي يناقش تحديات القضية الفلسطينية في ظل الوضع الراهن في ضوء استمرار مأزق التسوية والانقسام عقب فشل مسار التسوية والمصالحة في آن واحد.

وخلال هذه المؤتمرات التي كان من بينها مؤتمر مركز التخطيط الفلسطيني التابع لدائرة العمل والتخطيط ومؤتمر المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات. تم خلالها التركيز على مستقبل قطاع غزة في ضوء استمرار الانقسام من جهة؛ والمشروع الأمريكي من جهة ثانية، لا سميا في ظل استمرار حكم حركة حماس المنفرد للقطاع.

 واستمعنا خلال جلسات المؤتمرين لأوراق عمل وأبحاث مهمة ورصينة تتناول قضية مستقبل قطاع غزة على وجهة التحديد، خاصة أن القطاع يعيش حالة استثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معني، سواء على الجانب السياسي في ظل تفرد حركة حماس بقرار السلم والحرب، أو على المستوى الاقتصادي في ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية والارتفاع الكبير في معدلات الفقر والبطالة.

وقُدم خلال أعمال هذه المؤتمرات العديد من السيناريوهات والمقاربات التي تستشرف مستقبل قطاع في ظل الأوضاع الراهنة، منها سيناريو استمرار الوضع القائم أي بقاء القطاع تحت حكم حركة حماس على مدى المنظور القريب؛ بما يعنيه ذلك من استمرار للأزمة الإنسانية التي تشكل مدخلاً مهما للقوى الدولية والإقليمية لتمرير ما يعرف “بصفقة القرن”، مع إزاحة مستمرة للقطاع بعيداً عن الجغرافيا السياسية بسبب سياسات الاحتلال التي تعمل على تعميق الانقسام وإصرار حركة حماس على حكم القطاع.

إضافة لسيناريو الوحدة الوطنية وعودة السلطة لغزة، فرغم أنه هذا السيناريو حظوظه قليلة في التحقق إلا أنه يظل سيناريو مطروح من جهة نظر مجموعة الباحثين الذين قدموا أوراق ومقاربات حول مستقبل القطاع، نهيك عن سيناريو العزل، أي عزل قطاع غزة تماماً عن باقي الأراضي الفلسطينية وإقامة كيان منفصل فيه، بعيداً عن الجغرافيا السياسية الفلسطينية بما يتماشى مع المقاربة الأمريكية الجديدة التي تقوم على ضرب مرتكزات القضية الفلسطينية وأسس التسوية واستبدل منطق الحل المتفق عليه بالحل المفروض بفضل القوة الأمريكية التي تؤمن بها إدارة ترامب.

لكن ورغم كامل تقديري واحترامي للسيناريوهات السابقة التي كانت يمكن أن تتشكل إضافة نوعية لمستقبل قطاع غزة لو أتت قبل سنوات في مرحلة التخطيط الأمريكي والإسرائيلي لمستقبل القطاع، وليست في مرحلة التنفيذ التي تقتضي التركيز على سيناريو واحد ووحيد، يتم العمل على تنفيذه بمساعدة الانقسام الذي ساهم ويساهم في خدمة الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية بعدم قيام دولة فلسطينية مترابطة على الأراضي الفلسطينية عام 1967، باعتبارها تمثل خطراً على الوجود الإسرائيلي (اليهودي) كون أن الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة في إطار دولة فلسطينية تمثل  النقيض للهوية الإسرائيلية، وتشكل خطرًا على الوجود اليهودي في فلسطين من المنظور القريب والبعيد، لذلك تعمل أحزاب اليمين المتطرفة في إسرائيل على نسف أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية على أي بقعة من الأرض الفلسطينية كتعبير عن الهوية الفلسطينية المستقلة.

ففي تقديري انتهى زمن البحث فيه عن سيناريوهات لمستقبل قطاع غزة في ظل الوضع الراهن!، فالقطاع يسير نحو مخطط واحد ووحيد في ظل إصرار حركة حماس على حكم القطاع واعتباره كيان منفصل بمؤسساته السياسية والإدارية والشرطية والقضائية، الأمر الذي يعتبر ضربه للمشروع الوطني الفلسطيني وإمكانية تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، فقطاع غزة بكل أسف يتجه نحو الانفصال الحقيقي عن باقي الأراضي الفلسطينية للاعتبارات التالية:

الأول: وجود كيان منفصل بمؤسساته القضائية والأمنية والإدارية والمالية، التي أصبحت حقيقة واقعة تعيق أي عملية لإنهاء الانقسام، كون أن رغبة الحركة وإصرارها على بقاء الوضع الحالي كما هو؛ مرتبط بفكرة أن مشروع المقاومة مرتبط ببقاء الحركة في السلطة بهدف الحفاظ على مكتسبات الحركة في غزة.

الثاني: رغبة إسرائيل في بقاء الانقسام كمصلحة استراتيجية تخدم المشروع الإسرائيلي في عدم وجود دولة فلسطينية على حدود عام 1967، لذلك قال نتنياهو قبل أسابيع موجهة كلامه لقادة أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل “من يرفض قيام دولة فلسطينية عليه المساعدة في بقاء حكم حركة حماس بغزة والموافقة على تمرير الأموال القطرية”.

الأمر الثالث: يتمثل في التحول في الموقف الأمريكي تجاه أسس عملية السلام ومبدأ الدولتين، بالحديث عن مبدأ الدولة الإسرائيلية الواحدة والحكم الذاتي في إطار عودة الوصاية العربية، خاصة أن إدارة ترامب تسعى لنسف أسس عملية السلام والانتقال من الحل السياسي القائم على أساس مبدأ حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية إلى مبدأ (فرض) الحلول، عبر منح الفلسطينيين (حكم ذاتي) وتأهيل الاقتصاد الفلسطيني ليكون الحل الاقتصادي بديل عن الحل السياسي في إطار رؤية السلام الاقتصادي. وهي بذلك تكون قد تبنت رؤية اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي لا يرى أي إمكانية في إيجاد دولة فلسطينية مستقلة ما بين البحر والنهر، وإنما تقوم على أساس مأسسة الواقع وتثبيت الوضع القائم الذي استطاعت إسرائيل تثبيته خلال فترة احتلالها للأراضي الفلسطينية، بما يعزز سيناريو ضم الضفة الغربية بعد تعزيز سياسات الاستيطان والتهويد.

وفرة السيناريوهات التي تتناول مستقبل قطاع غزة لم تعد لها أهمية في ظل المقاربة الأمريكية الجديدة التي تسعى لتمريرها إدارة ترامب والقائمة على الحكم الذاتي والتعامل مع الشعب الفلسطيني بمنطق المناطق المنعزلة، وليس في إطار وحدة الجغرافية السياسية الفلسطينية (للشعب والأرض)، بما يعزز فصل قطاع غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية في ظل الإصرار على الانقسام وتثبيته واعتباره أحد الإنجازات التي يجب العمل على استمرارها، ما يعني أن غزة تتجه نحو الانفصال؛ إلا إذا حدثت معجزة في زمن ندرت فيه المعجزات.