العقدة اليهودية.. حين يصر اليهود على أن يبقوا أسرى في الجيتو !!

thumbnail_د. اماني القرم

بقلم الدكتورة أماني القرم

تعلمنا في العلوم السياسية أن الدولة المدنية الديمقراطية هي الدولة التي تضمن لمواطنيها المساواة بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين.. أي أنها بالاساس دولة تتسع للجميع وتحمي الآخر من العنصرية والإقصاء.. ولطالما ادعت اسرائيل ـــــ زوراً وبهتاناً ــــ أنها واحة الديمقراطية في النظام الشرق اوسطي، ولطالما كان لهذا الإدعاء صدى في عقول بعض النخب! لكن بعد صدور قانون القومية الذي أطاح بالقاعدة الأساسية التي ترتكز عليها محور الدولة الديمقراطية ، بات الحديث عن هذه الواحة سراباً زائلاً.

من الواضح أن اليهود يعانون من عقدة يتوارثونها جيلاً بعد جيل، إثر رواسب إشكالياتهم الثقافية والحضارية والتاريخية التي ما تزال تعشعش في رءوسهم وتأبى أن تفارقهم، على الرغم من أن الديناميكية السياسية في الاقليم قد أتاحت لهم ترسيخ وجودهمفي كيان مصطنع، بل وهيأت لهم الظروف لإمكانية القبول والتعاون مع النظم الأخرى في المنطقة لاسيما في الفترة الأخيرة.

ويعد قانون القومية الجديد الذي صادق عليه الكنيست هو أحدث اصدارات العقدة اليهودية في القرن الحادي والعشرين. فهو يقر في مفارقة ساخرة  بأن اسرائيل دولة يهودية ديمقراطية..  وانا لا اعرف كيف يمكن الجمع بين يهودية وديمقراطية في نفس الوقت، فهو بالضبط كأن تطلق على دولة داعش صفة “الديمقراطية”، أو تلحق اسم الجمهورية الإيرانية الاسلامية “بالديمقراطية”، أو تصبح الولايات المتحدة “المسيحية الديمقراطية”.. القانون في جملته توليفة عجيبة غريبة تخلط مابين الدنيوي والسماوي، فعلى سبيل المثال ينص على أن حق تقرير المصير في دولة “اسرائيل” يقتصرعلى اليهود!! فمن هو اليهودي؟ وهل اليهودية هوية أم دين ؟ وماذا لو كان هذا اليهودي ملحد؟ كيف يتم تقييم وضعه ؟  كيف يمكن لأي عاقل أن يستوعب هذه التناقضات؟؟ الحقيقة أن كل ما أتيقن منه هو أن النظام السياسي الذي يعتمد على عنصرية دين معين لا يمكن ان تجعمه في جملة واحدة مع الديمقراطية والشواهد التاريخية قديماً وحديثاً حاضرة..

هناك عقدة متأصلة في العقل والوجدان الجمعي لليهود هي عقدة الجيتو .. في القرون الوسطى عاش اليهود في حارات منفصلة ومنغلقة سميت “جيتوات”. ويعود أصل الجيتو الى العام 1516 حيث أجبرت السلطات في البندقية اليهود على التجمع والعيش في منطقة مكانية مغلقة ومنفصلة عن باقي المدينة..ومن ثمّ تم استنساخ التجربة أي إقامة احياء مماثلة لليهود حصرياً في باقي الدول الأوروبية خلال القرنين السادس والسابع عشر الميلادي..

ترك الجيتو أثره العميق على الصفات الشخصية لليهودي، فقد عمق انفصاله عن العالم الخارجي، وأضاف أنماطا من التفكير الإنغلاقي  فوق الانعزالية التي شكلتها التعاليم التوراتية على حياته …وأفرزت لديه عقدتين توارثتها الأجيال اليهودية: عقدة الاضطهاد وعقدة الخوف من الأغيار. ورغم سقوط أسوار الجيتو فعليا بعد قيام حركة الاستنارة اليهودية، الا انها ماتزال تكبل العقل اليهودي منذ قرون وحتى اليوم وتلقي بظلالها على سلوكه…تأمل كيف يعرض اليهود قضاياهم، هم بارعون في تقمص دور الضحية وفي التشكيك دوما وعدم الثقة بالآخرين،  وفي استمرارية الشعور الداخلي بأن العالم يقف ضدهم.. وقد استطاعوا توظيف ماكينة اعلامية جبارة تضمن توليد هاتين العقدتين في أجيالهم المتلاحقة..

ان قانون القومية الجديد يزيل الستار عن ان العقل اليهودي مازال اسيرا في الجيتو،  وما القانون الا توسيع لأيديولوجيا الجيتو من الحارة الى الدولة.. فالعالم خارج  أسوار “جيتو إسرائيل ـــــ بنظره ــــ متربص به ويكرهه في كل زمان ومكان..