مال القمار ونقل السفارة في الولايات المتحدة: أفضل سياسات يمكن شراؤها بالمال

thumbnail_د. اماني القرم

بقلم: الدكتورة اماني القرم

الوقت، المال، والمعلومات:  ثلاثة مكونات استراتيجية ربما هي الأهم لتستطيع أن تؤثر في توجهات سياسة أمريكية إزاء أية قضية عالمية. مثلا إختار الوقت المناسب لعرض قضيتك بصورة ناجحة لمرشحين سياسيين محتملين للكونجرس أو للرئاسة، وادعهم للغداء أو العشاء وأنفق على رحلاتهم وسفرياتهم وخذهم لموطن قضيتك لتقنعهم، مع ملاحظة أن أي سياسي لا يرغب بأن يقرن اسمه بقضية فاشلة! ولذا فعليك أن تغرق الدنيا بمعلومات حول قضيتك كيفما تشاء دعايات وتلفزيون وجرائد وبرامج ومراكز فكر وبحث. ولكن كيف لك أن تفعل كل ذلك؟ بالمال. المال السياسي الذي يغرق أمريكا. 

قبل أيام امتلأت الصحف بالجدل حول قانونية قبول العرض الذي قدمه الملياردير “شيلدون اديلسون”  لتمويل الفارق في نقل السفارة الأمريكية للقدس والذي يتراوح ما بين 40-50 مليون دولار. إديلسون ملياردير كازينوهات القمار في “لاس فيجاس” عبارة عن قوة مالية كاسحة تؤثر بفعالية في السياسات والحملات الانتخابية الأمريكية، وكل سنت ينفقه من مال القمار يجب أن يذهب صوب هدف واحد هو دعم اسرائيل . فهو المتبرع رقم (1) للحزب الجمهوري طوال عقود، والممول الأساسي لحفل خطاب التنصيب لدونالد ترامب بمبلغ  5 مليون دولار والذي يعتبر الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة . وهو أحد الداعمين والمحرضين بشدة لنقل السفارة الأمريكية للقدس.  ففي العام 2017 عبر عن غضبه  الشديد من تأخير ترامب في تنفيذ وعوده بنقل السفارة فمنع تدفق أمواله السوداء للجماعات المؤيدة لترامب في الكونجرس منذ تنصيبه، مما مثّل ضغطاً سياسياً على سياسات ترامب وكان دافعاً مهماً للوفاء بوعده.

كيف يختلط المال بالسياسة في الديمقراطية الأولى في العالم؟؟

يقال في أمريكا “أن المال هو لبن الأم للسياسة” . فطريقة صنع السياسة الأمريكية مختلفة ومعقدة ومرنة في نفس الوقت عن دول أخرى، فالنظام الأمريكي في انتخابات دائمة تعقد كل سنتين في الكونجرس وكل اربع سنوات للرئاسة ، والانتخابات تحتاج تمويل، والمال لا يأتي اعتباطاً بل مقروناً بأجندات ومصالح خاصة بأصحابه. يدخل المال في صلب السياسة الأمريكية عبر القانون. فالقانون الأمريكي يتيح تكوين لجان عمل سياسية (PACs) الهدف منها التأثير على قرارات السياسة وتوجيهها نحو قضية معينة. ويسمح لهذه اللجان بتلقي تبرعات من الأفراد والشركات والمؤسسات. وكلما زاد عدد اللجان التي تدعم قضية ما وزاد عدد أعضائها وشبكاتها، كلما كان التبرع لها أكثر سهولة وأكبر تأثيراً.  وهذه اللجان أنواع: منها التي ترتبط بجماعات الضغط والسياسيين بشكل مباشر ويقع تمويلها تحت رقابة القانون بمبالغ محددة. ومنها لجان غير مرتبطة أو مستقلة وهي تقبل تبرعات لا محدودة وغير ملزمة بالكشف عن مصدر أموالها وتسمى المال المظلم أو (Dark Money) لأنها تؤثر في السياسة بشكل غير مباشر وبنفس الوقت فعال وغير معروف من أين تأتي الأموال. شيلدون إديلسون هو الرائد والمانح الأكبر لشبكة هائلة من لجان العمل السياسية المستقلة الهادفة لتوجيه السياسات الأمريكية لمصلحة إسرائيل.  ومما لاشك فيه أن مناصري إسرائيل أو ( اللوبي الإسرائيلي) هم من أشد الجماعات ذكاء في استغلال كل ثغرة في القانون الأمريكي لتوطيد نشاطهم ونشر أفكارهم بين السياسيين في أمريكا. وبالمناسبة هم ليسوا لوبي واحد بل عدد من اللوبيات. . والهدف ليس دعم إسرائيل فقط بل إحباط أية سياسات أخرى تدعم الفلسطينيين لان بنظرهم أي مكسب للفلسطينيين هو خسارة محتومة لاسرائيل.  

هذا جانب من القصة وليس كلها، قصة نقل السفارة وتسريع نقلها . ولكنه جانب غاية في الأهمية يكشف لنا مدى تأخرنا في فهم لماذا نقل ترامب السفارة؟؟