حماقة ترامب تجاه القدس بمثابة رشوة سياسية

mans

منذ أن أعلنت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية عن فوز المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” بمنصب الرئيس الأمريكي ثار الجدل في داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها حول الطبيعة الشخصية لترامب، ومضامين خطابه وسلوكه السياسي خلال فترة حكمه، فقد أثار انتخابه عاصفة من الانتقادات والتساؤلات التي تركزت حول شخصية الرجل وخبرته السياسية، وأسلوب أدارته للولايات المتحدة عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية، حيث تساؤل “كريستوفر هِل” مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق كيف أنتج الحزب الجمهوري مرشحاً رئاسياً يحمل رؤية باهتة قاتمة لآفاق أميركا حتى أنه يقول أن أمريكا بعد فوز ترامب انزلقت إلى هاوية قد لا تخرج منها أبداً.

 قبل توليه المنصب نشر موقع “ميدل إيست” تقريراً تحدث فيه عن تداعيات نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، وذكر الموقع أن مواقف الرئيس دونالد ترامب حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تتسم غالباً بالتناقض وعدم الوضوح، فخلال الحملة الانتخابية تناول ترامب قضايا الشرق الأوسط بشيء من التناقض الواضح في التصريحات والمواقف السياسية، واستمر هذا التناقض إلى بعد توليه الحكم بينه وبين إركان حكمه، خاصة في الموقف من الأزمة الخليجية، وهذا ما انعكس بشكل كبير على الأوضاع في المنطقة.

في إطار لرؤية إدارة ترامب لإعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط من جديد، بهدف مواجهة خطر الجماعات الإرهابية والتمدد الإيراني الذي اصبح يشكل خطر على مصالح أمريكا وحلفائها، تسعى إدارة ترامب لحل القضية الفلسطينية كجزء من مساعي واشنطن لترتيب الوضع في منطقة الشرق الأوسط من جديد، لذلك أكد ترامب في بداية ولايته بالعمل من “أجل سلام عادل ودائم” بين إسرائيل والفلسطينيين “يتم التفاوض عليه بين الطرفين” جاء ذلك في أول رسالة له حول هذه المسالة فور فوزه بالرئاسة نشرتها صحيفة “إسرائيل اليوم”، وكتب ترامب في هذه الرسالة “أعتقد أنه بإمكان إدارتي أن تلعب دوراً مهماً في مساعدة الطرفين على تحقيق سلام عادل ودائم”، عبر صفقة القرن التي تعني أن ينجح ترامب في حل صراع استمر  أكثر من قرن من الزمان، وهي الصفقة التي تستعد واشنطن طرحها كأساس للوصول لتسوية سياسية تنهي بموجبها القضية الفلسطينية، واستباقاً لطرح هذه الصفقة بدأت التقارير الصحفية تتحدث عن رغبة ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في محاولة منه لإحداث تغيير في الوضع القائم في القدس منذ احتلال المدينة بشكل كامل عام 1967م.

قرار ترامب المنتظر بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي يمكن قراءته من جانبين، الأول: قد يكون الإعلان بمثابة رشوة سياسية من ترامب للوبي اليهودي في أمريكا لمنعه اتخاذ اجراءات للتحقيق مع ترامب وعزله من الرئاسة الأمريكية بسبب علاقاته قبل توليه منصب الرئيس مع الروس، خاصة بعد اعتراف مستشاره السابق للأمن القومي الجنرال مايكل فلين بأنه أجرى اتصالات مع الروس قبل وبعد الانتخابات الأمريكية، ومن جانب أخر قد يكون الإعلان أيضاً بمثابة رشوة سياسية لليمين الإسرائيلي وحكومة نتنياهو قبل طرح إدارة ترامب صفقة القرن لضمان الموافقة الإسرائيلية عليها، بهدف اجبار الطرف الفلسطيني على الموافقة عليها.

لكن لا اعتقد أيضاً أن ترامب يمكن أن يقدم على ارتكاب حماقة كبيرة مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم أن ذلك ليس أمرًا مستبعدًا على ترامب، لأن المخاطر التي يمكن أن تترتب على هذه الخطوة ضد مصالح ورعايا الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة قد تمنعه من ارتكاب مثل هذه المجازفة، فالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل قد يؤدي لتوتير الأجواء في المنطقة خاصة أن قضية القدس قضية حساسة جدا لدي العالم العربي والإسلامي، وقد تؤدي إلى تأجيج الصراع والمواجهات في الأراضي في إطار انتفاضة ثالثة، فرغم صعوبة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية ورغم انشغال العرب بقضاياهم الداخلية إلا إعلان ترامب عن اعترافه بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي قبل حل الصراع والوصول لتسوية سياسية سوف يعقد المشهد السياسي والأمني في المنطقة وسوف يؤدي لخروج مسيرات رافضة للموقف الأمريكي، كما أن هذا الموقف إن حدث لن يساعد الجهود الأمريكية على حل الصراع، لأنه يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد أن القدس الشرقية جزء من الأراضي المحتلة عام 1967م، بل سوف ينقل الطرف الأمريكي من وسيط لطرف غير محايد، لأنها تُشكّل تغيير في السلوك الأمريكي تجاه الموقف من قضايا الحل النهائي، وهي خطوة لها تداعيات كبيرة على مجمل الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط والأراضي الفلسطينية.

وعليه يمكن القول أن التلويح بهذه الخطوة يمثل رسالة تهديد للفلسطينيين بضرورة بقبول صفقة القرن المنتظرة، وإلا فإن نقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بها قد يكون جاهز التنفيذ في أي وقت، لأن الخطوة تعتبر بلون اختبار من جانب ورسالة تهديد من جانب آخر، وهي جزء من صفقة القرن وليست منفصلة عنها، لأن تمرير الصفقة يتطلب ممارسة ضغوط كبيرة على الطرف الفلسطيني لتمرير الصفقة، فاستعداد الولايات المتحدة الأمريكية لطرح خطة سلام قريباً على الأطراف جعل واشنطن تلوح بخطوات تصعيدية عبر إرسال رسائل للكل الأطراف في مسعى لتمرير المخطط، وهذا ما يتطلب توحد الشعب الفلسطيني في جبهة مواحدة لمواجهة هذه التحديات التي لن يستطيع أحد الوقوف أمامها بشكل منفرد.