اعتداء رفح ونظرية أثر الفراشة

qa

الكاتب: أحمد الغندور

لا شك أن حادث الخميس الماضي حين فجر أحد الأشخاص نفسه شرق معبر رفح جنوب قطاع غزة في أفراد قوة لحماس في المنطقة والذي أسفر عن مقتل شخص واصابة اخرين من تلك المجموعة.مثل هذا الاعتداء لا يمكن أن يعتبر حادثاً فردياً لا يقاس عليه؛ فطبيعة الفاعل وهو من أصحاب الفكر المنحرف المتطرف يُوجب علينا قراءة الحدث وفق نظرية سياسية تختلف عن القراءة القانونية للجريمة، ولعل نظرية أثر الفراشة خير ما يمكن الاستعانة به في هذا المجال؛ فما هي نظرية أثر الفراشة؟ وكيف يمكن التعامل مع مثل هذا الحدث على المستوى الفلسطيني؟جاءت نظرية أثر الفراشة (Butterfly Effect) من علم الفيزياء والذي أوجدها هو العالم الأمريكي إدوارد نورتن لورينز (Edward Norton Lorenz) في عام 1963. وهي نظرية فلسفية فيزيائية لوصف وليس لتفسير ظواهر الترابطات والتأثيرات المتبادلة لحدث أولي بسيط لا يمكن ان نشعر به لكنه يولد سلسلة عشوائية متتابعة من الأحداث ونتائج وتطورات متتالية أكبر من حجمها بأضعاف تأثيرها الأولي.فمثلا أغلب مشاكلنا في الحياة اليومية سببه أشياء بسيطة جدا نغفلها ولا نهتم بها لكن في النهاية يولد حدث كبير جدا قد يؤدي الى كوارث، كما يضرب العلماء مثلا بأنه من الممكن لرفة جناح فراشة في افريقيا ان يكون لها دور في تكوين إعصار في ميامي!ومن المعلوم أن نظرية أثر الفراشة هي جزء من نظرية الفوضى (Chaos Theory) التي تنص على أن هنالك مجموعة كبيرة من الأحداث العشوائية التي تحدث في الكون نعتقد أنا غير مترابطة لكن في النهاية عند تجميع الأحداث العشوائية نصل الى حقيقة ان العشوائيات ترتبط برابط غامض يجعلها غير عشوائية في جوهرها.لذلك لا يمكن اعتبار هذا الحدث أو الاعتداء بأنه أمر ثانوي، بل هو خطب جلل يصيب كبد أمننا القومي ويضر بقضيتنا الفلسطينية أبلغ الضرر، نفهم ذلك من طبيعة فكر الفاعل ومكان وقوع الحدث وتسلسل الأحداث التي تلت في الأيام القليلة الماضية.إذاً؛ علينا الأن أن نبحث في كيفية التعامل مع هذا الحدث الخطير على المستوى الفلسطيني؟بداية يجب الاقتناع بأن المعالجة الشُرطية لن تحقق ردعاً في مثل هذه الأحداث؛ ولنا مثال سابق أيضا في رفح في العام 2009 وأحداث مسجد ابن تيمية؛ فهل أنهت أو حدت المعالجة الشُرطية العنيفة من وجود أصحاب الفكر الجهادي؟كذلك من المعقول أن نتفق بأن قطاع غزة لا يمكن أن يدار من قبل تنظيم مما علا شأنه، فالمشاكل والأوضاع المعيشية بجملتها تحتاج إلى اشراف الدولة ومساعدات متواصلة من المجتمع الدولي، أما استمرار الحال على ما هو عليه فقد يكون دافعاً قوياً لدى كثير من الشباب إلى الوقوع في مستنقع التطرف للخروج من حالة اليأس التي يعانون منها.ينبغي الإدراك بأن إلقاء العباءة التنظيمية وصبغ الدين الإسلامي الحنيف بأنه ما جاء في أدبيات أي تنظيم هو تخريف وتجديف في الدين الحنيف الذي جاء به رسولنا الكريم “عليه أفضل الصلاة والتسليم”، ولا ينبغي أن نُكفر بعضنا بعضا، فجميعنا بشر نصيب ونخطئ وبعض هؤلاء الشباب المُغرر بهم خرجوا من عباءة مثل هذه التنظيمات لما يعتبرونه تجاوز في القيم والمفاهيم، لذلك علينا تنقية الخطاب الديني من الحزبية والعودة إلى سماحة الإسلام الوسطي وأن نقارب ونسدد حتى نجتمع على كلمة سواء.لا شك أن من المطلوب تحقيق الوحدة الوطنية في مواجهة هذا الخطر؛ وهو خطر خارجي مدسوس، بدأ في إيجاد بيئة مناسبة لينشط فيها، ولا يقبل لأي فريق في المجتمع أن يتخلف عن دوره في التصدي والمشاركة في علاج هذه الظاهرة الخطيرة؛ فنحن في قارب واحد تحيق به جملة من الأخطار. فمن غير المقبول أن نصنف أنفسنا أعداءً لبعضنا البعض وخاصةً أن القادم من الأيام قد يحمل الكثير لقضيتنا الفلسطينية.وكما كانت نظرية أثر الفراشة هي الوسيلة لتوضيح صورة الحدث بأنه مهما كان هامشياً وعشوائياً فإنه في حقيقته يقودنا إلى الأخطر من الفوضى المُعد والمخطط لها سلفاً، وتقدم النظرية نفسها الحل ــ كأنها تقول وداويني بالتي كانت هي الداء ـــ من خلال التراكم الناتج عن اهتزاز جناح الفراشة؛ فالمطلوب الحوار المستنير والمتواصل مع هذه الجماعات وهؤلاء الشباب فهم في الأغلب ضحايا، هذا الحوار يحمل في طياته الوعظ الديني السمح، والعلاج النفسي إضافة إلى معالجة القضايا الاجتماعية الخاصة بهم، ولكن ذلك لا يعني أن التركيز عليهم يبعدنا عن الدور الأساسي للدولة في المجتمع ككل وإلا فأننا نصنع قرابين أخرين لألة الإرهاب التي لا ترحم.