استراتيجية غياب الاستراتيجية لدى حركة حماس

mans

كل حركة أو حزب سياسي لابد أن يمتلك استراتيجية ورؤية واضحة في إدارة علاقاته الداخلية والخارجية، هذه الرؤية يجب أن تتضمن الخطوط العريضة لسياسة الحزب أو الحركة على المستوى الداخلي والخارجي، يحدد من خلالها أهدافه وسياساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي يجب أن تنسجم في معظمها مع التوجه العام للحزب أو الحركة.

 وفيما يتعلق باستراتيجية حركة حماس في إدارة علاقاتها الداخلية والخارجية، فرغم خروج وثيقة الحركة الجديدة، التي حملت عنوان وثيقة المبادئ والسياسات العامة، التي حاولت فيها حماس توضيح سياساتها العامة، فيما يتعلق بالوضع الداخلي والخارجي، إلا أن الناظر لساسة الحركة على المستوى الداخلي أو الخارجي لا يمكن أن يلمس ساسة ثابته يمكن البناء عليها.

فمن الواضح أن حركة حماس لا تمتلك استراتيجية واضحة لإدارة علاقاتها الداخلية، خاصة في موضوع المصالحة الوطنية، فالحركة ترحب بالوحدة الوطنية على لسان معظم قادتها؛ لكنها لا تعمل أي مجهود يذكر في سبيل تحقيق هذه المصالحة، بدليل إن الحركة وقعت على اتفاق الشاطئ وشاركت في تشكيل حكومة التوافق الوطني، وفي اليوم الثاني منعت هذه الحكومة من القيام بمسؤوليتها في القطاع، وحاصرت أعضاء الحكومة في الفندق، إما على مستوى العلاقات الخارجية فحدث ولا حرج، فالحركة في الوقت الذي تجرى فيه حوارات في القاهرة مع تيار دحلان برعاية مصرية وعربية، تعطي الضوء الأخضر لوفد يمثل قيادة الخارج بزيارة طهران في ظل اشتداد الصراع الإقليمي بين إيران وحلفائها من جهة والسعودية والدول العربية من جهة أخرى،  وهذا دليل آخر على غياب الرؤية الواضحة والاستراتيجية الثابتة لتعامل الحركة مع  الأحداث والتطورات المحلية والإقليمية والدولية، فحماس تدير علاقات الداخلية والخارجية وفق منطق يوم بيوم، وهذا أمر لا يمكن أن يحتمل من حركة تسيطر على إقليم جغرافي به 2 مليون مواطن.

 كما إن غياب الاستراتيجية الواضحة لدى حركة حماس، واستمرار سياسة اللعب على المحاور والقفز على الأزمات،  في تعاملها مع الأطراف المحلية والإقليمية؛ سمح ببروز ثلاثة محاور لدى الحركة في إدارة علاقاتها الداخلية والخارجية، المحور الأول يمثل  قيادة حماس في قطاع غزة، هذا المحور يدير حوار مع تيار دحلان، -ويقال أنه توصل لتفاهمات-، برعاية المخابرات المصرية، بهدف الحصول على تسهيلات لقطاع غزة، في إطار تحالف مصري إمارتي سعودي، يهدف لاحتواء الحركة وضمها للمحور العربي، ومحور أخر يمثل حماس الضفة، يدير حوار مع القيادة الفلسطينية في رام الله، وعقد هذا المحور الذي يمثله الدكتور ناصر الشاعر،  وبعض نواب الحركة في الضفة جلسة حوار مع الرئيس عباس ورئيس الحكومة الفلسطينية الدكتور رأمي الحمدالله، في محاولة تقريب وجهات النظر حول المصالحة، وبعض القضايا الأخرى، ومنها رواتب نواب المجلس التشريعي والأسرى، ومحور ثالث يمثل قيادة الخارج، ويمثله صالح العاروري وأسامة حمدان، يدير هذا المحور حوار مع إيران وحزب الله في اطار محور الممانعة، بهدف عودة حماس للمحور الإيراني مرة أخرى.

سياسة المحاور المختلفة والمتعارضة التي تنتهجها حركة حماس في الوقت الحالي، تطرح عدة تساؤلات، تتعلق باستراتيجية الحركة على المستوى الداخلي والخارجي، منها هل الحركة معنية بالتفاهم مع دحلان، أم ترغب في الوصول لمصالحة مع الرئيس عباس؟ وهل ترغب الحركة بالعودة للمحور الإيراني في هذا التوقيت الذي يشهد صراع إقليمي حامي الوطيس؟، إم تحاول الحفاظ على علاقات مع جميع الأطراف؟ وهل الحركة مدركة للمخاطر السياسية والاستراتيجية لتناقض علاقاتها الداخلية والخارجية؟ أسئلة كثيرة تدور في العقل الجمعي الفلسطيني، أصبحت تتطلب لإجابات واضحة وصريحة!

 لذلك يتوجب على حركة حماس الكف عن الاستمرار في سياسة اللعب على المحاور، وانتهاج سياسة واضحة، خاصة فيما يتعلق بالأوضاع الداخلية والخارجية، وأن تتبنى رؤية واستراتيجية واضحة لمستقبل الأوضاع في قطاع غزة، الذي يشهد تردي للأوضاع الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة، مما ينذر بحدوث كارثة إنسانية إن استمرت الأوضاع على هذا المنوال.

المطلوب من حركة حماس بشكل صريح إن تغلب المصالح العامة للشعب الفلسطيني على المصالح الخاصة، فاستمرار الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة بهذا الشكل لا يمكن أن يحتمل، والمدخل الصحيح لتعديل هذه الأوضاع هو حل اللجنة الإدارية، والسماح لحكومة التوافق الوطني بالقيام بمسؤوليتها بشكل كامل، كخطوة على طريق إنهاء الانقسام الفلسطيني بشكل كامل، فاستمرار الأوضاع في غزة بهذا الشكل يمكن أن يؤدي لانهيار كامل لمنظومة القيم، خاصة في ظل انتشار ظاهرة التطرف، وتفشي الأمراض الاجتماعية، كالسرقة والنصب والاحتيال، مما يهدد الأمن الاجتماعي بشكل كامل.

بقلم/ أ. منصور أبو كريم

كاتب وباحث سياسي فلسطيني

Mansour197566@gmail.com