الخيارات الصعبة أمام قطر للخروج من الأزمة الراهنة!!

mans


منذ صعود قطر على الساحة العربية والإقليمية، وتبوؤها مكانة مؤثرة في صناعة القرار السياسي في المنطقة، نتيجة لعلاقاتها المرنة والمتشعبة مع كثير من الأطراف العربية والإقليمية والدولية، لم تضع قطر أمام تحديات صعبة كما وضعتها المقاطعة والحصار العربي والخليجي عليها، فبعد إعلان دول الخليج وعدد من الدول العربية قطع علاقاتها الدبلوماسية معها، وغلق المجال الجوي والبري أمام الطائرات والأفراد من وإلى قطر، بسبب علاقات الأخيرة مع إيران والجماعات الإرهابية وانتهاجها سياسة رأت فيها دول الخليج انها تشكّل تهديداً خطيراً على أمن واستقرار دول الخليج، أصبحت قطر أمام مجموعة من الخيارات الصعبة، التي لابد أن تسلك أحدها للخروج من الأزمة الراهنة.

لقد عملت قطر خلال السنوات الماضية على اتهاج سلوك سياسي مختلف تماماً عن سلوك دول الخليج، عبر إقامة تحالفات مرنة، وعلاقات متوازنة مع العديد من القوى الدولية والإقليمية، فقد اقامت علاقات مع إيران وإسرائيل وتركيا، وأمريكا، وحافظت على علاقات جيدة مع كثير من الحركات الإسلامية، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين، فمنذ أن ربطت أمريكا بين تفشي ظاهرة الإرهاب والعنف الذي ضرب أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر 2011 وبين غياب الديمقراطية في الوطن العربي، شرعت أمريكا بممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على أنظمة الحكم في المنطقة بهدف تعميم الديمقراطية، الأمر الذي جاء في صالح الدور القطري باعتبارها الراعي الرسمي لهذه الحركات، مما سمح لقطر بلعب دور محوري في السياسة الدولية والإقليمية، خاصة عقب انطلاقة ما بات يعرف بثورات “الربيع العربي”.

كما لعبت قطر دوراً في السياسة الخارجية يفوق حجمها المتواضع، فخلال السنوات الماضية قادت جهود الوساطة في الصحراء الغربية واليمن السودان، ومنذ اندلاع الانتفاضات العربية استخدمت وسائل إعلامها ونفوذها المالي والسياسي لدعم المتمرّدين في العديد من الدول العربية، مما أثار حفيظة العديد من أنظمة الحكم في المنطقة، التي رأت في السلوك القطري تجاوزًا لخطوط حمراء على المستوى السياسي والاستراتيجي، فقد شهدت السياسة الخارجية لقطر تحولات في تعاملها مع محيطها الجيوسياسي؛ فبعد أن اتسمت سياستها الخارجية بالوساطة خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، انعطف مسارها بعد اندلاع شرارة “ثورات الربيع العربي” لتدخل في طور التأثير والنفوذ، بعد أن اتخذت قطر موقفًا مؤيدًا للثورات في كل الدول العربية، فقد وضع أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة بلاده على الخريطة الإقليمية كلاعب يتنافس مع قوى إقليمية أكبر منها بكثير.

إلا أن رياح التغير التي هبّت مع دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، وحدوث تحول في الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، عبر إعادة بناء تحالفاتها التقليدية مع مصر والمملكة العربية السعودية والتخلي عن فكرة حكم الإسلام السياسي، عقب فشل التجربة في الحد من ظاهرة الإرهاب، قد وضع السياسة القطرية والدور القطري في المنطقة موقف لا تحسد عليه، فهذه التحولات عقدت الموقف أمام صانع القرار القطري في التعامل مع الأزمة والحصار الخليجي والمصري عليها، وجعلت الخيارات أمامه محدودة وضيقة، ومحصورة في ثلاثة خيارات، هي:

الخيار الأول: إعادة إحياء محور الممانعة

أمام قطر فرصة جيدة لإعادة إحياء محور الممانعة من جديد، التي كانت تعبر جزء منه، حتى انطلاقة “الربيع العربي”، قبل ان تخرج منه وتأخذ معها حركة حماس، فقبل انطلاقة “الربيع العربي” كان الصراع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط يدور بين محورين، الأول يسمى “محور الاعتدال”، ويضمن مصر والسعودية والأمارات العربية والأردن والسلطة الفلسطينية، وله علاقات جيدة بالولايات المتحدة الأمريكية، والمحور الثاني، ويسمى “محور الممانعة” ويضم إيران وسوريا وقطر، وحزب الله وحركة حماس، ويحظى بدعم روسي كبير.

لا شك أن عودة قطر للمحور الإيراني يخدم السياسة الإيرانية في المنطقة، ويعطيها مجال أكبر للتوسع والتمدد، خاصة في ظل ما تملكه من أدوات سياسية وإعلامية كبيرة جدا، لكن تكلفة عودتها لهذا المحور والتحالف العلني مع إيران في ظل الموقف الأمريكي السلبي منها تعتبر مخاطرة كبيرة جدا، فهو يعد بمثابة انتخار سياسي، نظراً لطبيعة التحولات في الموقف الأمريكي من إيران والتمدد الإيراني في المنطقة، حيث تأخذ الولايات المتحدة الأمريكية موقف سلبي من إيران، وتحملها مسؤوله دعم وتمويل الإرهاب في المنطقة، بالإضافة للموقف الأمريكي من البرنامج النووي الإيراني والموقف من حزب الله في لبنان، مما يجعل فرص تحقيق هذا الخيار ضعيفة ومحدودة، رغم أن كل الاحتمالات تبقى واردة حسب طبيعة التطورات.

الخيار الثاني: تكوين محور جديد

 في ظل صعوبة العودة للمحور الإيراني قد تسعى قطر لتكوين خلف أخر، يضم بجانبها تركيا باكستان وعُمان، بالإضافة حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين والتنظيم الدولي التابع لها، بدعم وتأييد روسي، خاصة في المعلومات التي تؤكد وصول قوات خاصة تركية لقطر، في إشارة للدعم التركي لقطر في الأزمة.

ولكن فرص نجاح هذا الحلف في مواجهة الموقف العربي والخليجي المدعوم من أمريكا، تظل محدودة، خاصة في ظل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي لا ترى أي دور للحركات والجماعات الإسلامية في المنطقة، وعدم قدرة الأطراف على تقديم دعم فعال لقطر بسبب دكتاتورية الجغرافيا السياسية، والحصار البري والجوي المفروض عليها من دول الطوق القطري.

الخيار الثالث: الرضوخ للمطالب الخليجية

قد لا تجد قطر أمامها أي خيار أخر، سوى تلبية الشروط والمطالب الخليجية والعربية، عبر تغير سياساتها الخارجية، والتوقف عن دعم الجماعات الإسلامية، والطلب من قادة حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين مغادرة الدوحة ولو لفترة محدودة، حتى تهدأ الأزمة، مع حدوث تغيير مرحلي في سياسة الجزيرة الإعلامية، عبر التوقف عن مهاجمة النظام المصري قليلاً، في محاولة منها لتدوير زوايا الأزمة الحادة، والبحث عن وسطاء جدد بعد فشل وساطة أمير الكويت، التي فشلت بسبب تشدد الموقف الاماراتي والسعودي.

 رغم إصرار قطر على مواقفها السابقة، وإصرارها على حقها في تبني سياسة خارجية مستقلة، كجزء من أعمال السيادة الوطنية، إلا أن هذا السيناريو هو الأقرب للحصول من وجهة نظري، لعدة أسباب، أهمها الجغرافيا السياسية التي تحاصر قطر من عدة جهات، والموقف الأمريكي المؤيد للموقف السعودي والخليجي، عقب التحول في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة وتجاه حركات الإسلام السياسي، واتهام الرئيس الأمريكي قطر بتمويل الإرهاب، وعدم رغبة قطر بالانضمام بشكل كامل للمحور الإيراني لأنها تدرك خطورة ذلك على مستقبلها السياسي، وعدم رغبة تركيا في التضحية بالتحالف السعودي الخليجي من أجل قطر.

 خلاصة القول، رغم كل الإمكانيات المالية والاقتصادية والإعلامية الهائلة التي تمتلكها قطر، إلا أن تحول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، عقب سقوط ورقة الجماعات الإسلامية من الاستراتيجية الأمريكية، والعودة مرة أخرى للرهان على الأنظمة التقليدية في المنطقة، قد أعطى السعودية وباقي دول الخليج ومصر أوراق ضغط إضافية غير ورقة الجغرافيا السياسية، التي احتفظت بها دول الخليج طول السنوات الماضية لتصفية حساب قديم مع قطر، لذلك أتوقع أن تبدأ قطر في النزول عن الشجرة خلال الأيام القليلة القادمة وتبدأ في تلبية الشروط الخليجية والعربية الأقل حدة، في محاولة منها لتدوير زويا الأزمة الحادة، والبحث عن وسطاء جدد بهدف الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر.

  بقلم/ أ. منصور أبو كريم

كاتب باحث سياسي

Mansour197566@gmail.com