الخيارات أمام السلطة وحماس باتت محدودة والاثمان باهظة


ebrahim
الخيارات أمام السلطة وحماس باتت محدودة ولا مجال للمناورة لان الأثمان ستكون باهظة ، السلطة بعد أكثر من عشر سنوات لم يعد أمامها خيار الا بسط نفوذها على الضفة وغزة مهما كان الثمن لان غير ذلك يعتبر انها لا تمثل الأراضي الفلسطينية ،و أن السماح بانفصال غزة عن حضن الوطن – بعد إنشاء اللجنة الإدارية – يمثل مخاطر جمة سياسية واقتصادية وضرب للمشروع الوطني.

لذا سوف تستمر السلطة في إجراءاتها القاسية تجاه قطاع غزة قد يصل إلى اعتبار غزة اقليما متمردا وما يستتبعه من إجراءات على المستوى الإقليمي والدولي في وقت اتضحت فيه الصورة الاقليمية بعدم السماح لحماس بالانفراد بحكم غزة ، خاصة ان اضطرار حماس للاعتراف بحدود عام 1967 و هي ضمنيا وعمليا اعترافا بإسرائيل رغم نفي الحركة ذلك ، يعتبر أضعف حلقة في حلقات تاريخ حركة حماس منذ الانتفاضة الأولى ، هذا الاعتراف باسرائيل سيكون له تأثيراته المعنوية على أعضاء الحركة ، و اهتزاز ثقة المواطن تجاه الحركة .

كما ان مصر والأردن و ما يمثله لهم الاخوان المسلمين من صداع مستمر ،قد يؤدي تغير الوضع القديم إلى آخر جديد تبتعد فيه حماس عن السلطة إلى إضعاف نفوذهم في الشارع وفشل مخططاتهم في هذه الدول خاصة في مصر التي تعاني فيه من جماعات الإرهاب المتشددة وحيث تؤكد مصادر مصرية رسمية دعم الاخوان لهذه الجماعات بل تدعي نفس المصادر أن تنظيم الاخوان المسلمين يمارس الإرهاب ضد الدولة المصرية . لذلك سنجد دعم إقليمي واسع من دول الجوار من مصر والأردن والسعودية والإمارات، لخطوات واجراءات السلطة وان قطر لن تستطيع التدخل الإيجابي لصالح حماس لخشيتها من ردود فعل الرئيس الأمريكي ” ترامب ” تجاه مثل هذه الخطوات في ظل النقاش الدائر في أروقة البيت الأبيض حول حظر نشاطات تنظيم الاخوان المسلمين او اعتباره تنظيما إرهابيا،وقد يكون استجابة لمطالب دول الجوار ،نهاية لمهمة وظيفية أوصلت فيها حماس إلى القبول بدولة فلسطينية على حدود أراضي 1967 . في حين أن الاتحاد الأوربي يحظر التعامل مع حركة حماس بورود اسمها في القائمة السوداء ولن يؤثر كثيرا إصدار حماس لوثيقتها السياسية الجديدة ما لم تلغي ميثاقها الأصلي او تقوم بتعديله على اقل تقدير .

اما حركة حماس : اذا استمرت السلطة في التضييق عليها من خلال استخدام الوسائل المباشرة وغير المباشرة على مختلف الأصعدة والمستويات بدءا من الإجراءات الاقتصادية التي شلت دورة رأس المال التي تستفيد منها الحركة متمثلة في انخفاض التحصيل الضريبي والرسوم الجمركية والتعلية بانخفاض وتيرة الاستيراد واقتصارها فقط على السلع الرئيسية وبالتالي انخفاض نسبة الجباية بشكل حاد وكساد الأسواق، و البضائع إلى أجل ،والمشاكل المالية بالشيكات المرجعة وعدم القدرة على سداد الكمبيالات والاوراق المالية والسندات والقروض الواجبة السداد وغيرها مما سيخلق حالة اقتصادية صعبة و عسيرة قد لا تقوى حركة حماس على مواجهتها اذا لم تؤمن مصادر مالية أخرى من المستبعد توفيرها في ظل الوضع الإقليمي والدولي ،وهو في الامد المنظور غير قابل للتحقيق او تستطيع التقليل من الآثار الاقتصادية السلبية لهذه الإجراءات رغم تصريحات العديد من القيادات السياسية في حركة حماس ،مثل مطالبتهم من الاونروا التي لم تستجب حتى الآن لبعض مطالب حماس في التخفيف من الضائقة المالية بتوفير رزمة من المساعدات االاقتصادية الإضافية للاجئين ،ومن غير المتوقع الاستجابة لهذا الطلب بل العكس فإن الاونروا منذ سنوات تقلص خدماتها في مناطق قطاع غزة والضفة وبالتالي سوف تزداد وتيرة هذه التقليصات بشكل غير مسبوق ،كما يزيد حالة الاستياء والرفض من قبل القطاعات الاجتماعية التي يمكن القول انها جميعا أصابها الضرر مما قد يسمح باحتجاجات غير مسبوقة تمثل تهديدا لحكم حماس تستدعي منها استخدام القوة المفرطة ، وانتشار الفوضي وقد يكون انتشار جرائم القتل البشعة وتكرارها رغم العقوبات الشديدة لمرتكبيها – أصبحت هذه الأحكام تمثل رادعا عاما – بشكل غير مسبوق في قطاع غزة نتيجة الفقر المدقع مؤشرا خطيرا للأوضاع التي يعيشها القطاع .

أيضا حصار حركة حماس سياسيا برفع الغطاء السياسي الإقليمي عنها ، وتحميلها الجزء الأكبر من المسؤلية في عدم إتمام المصالحة الفلسطينية في الوقت الذي يواجه فيه تنظيم الاخوان المسلمين تحديات كبيرة وصعبة على مستوى الأقطار العربية التي شهدت ثورات استطاع فيها الاخوان المسلمين بادىء الامر الوصول للحكم ،غير انها لم تستطع الاحتفاظ بحكمها لفشلها في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية فتم تنحيتها قسرا او طوعا بدءا من مصر وليبيا وانتهاء بالمغرب و تونس .

ويبدو أن هناك إجماعا إقليميا على عدم استمرار الأوضاع على حالها السابق في الأراضي الفلسطينية في ضوء وصول ترامب إلى البيت الأبيض ، وارضاء له في عدد من الملفات وخاصة الملف الفلسطيني الإسرائيلي حيث يحتاج إلى معطيات جديدة وتوازنان مختلفة عما سبق ، بل أصبح شرطا رئيسيا ابتعاد حماس عن الحكم كغيرها من الاخوان المسلمين في باقي الدول العربية الأخرى مع التأكيد بأن مصر والأردن تضغطان من أجل ذلك وأنهما لن تثقا مطلقا وتحت اي مبرر او تطمينات باستمرار بقاء حماس في حكم غزة منفردة ،و قد يكون و اهما من يظن أن مصر قد تستجيب لمطالب حركة حماس في ميناء بحري او منطقة تجارية حرة تستفيد فيها حماس من التحصيلات الجمركية والرسوم دون السلطة ،مما ينفي قدرة حماس في إقناع الجانب المصري بمغريات الحفاظ على الأمن وتأمين الحدود معها في مقابل التعاون معها في ملفات أخرى منها بقاء حماس منفردة في حكم غزة . اما ما نادى به بعض قيادات حماس او اشار اليه بعضهم بإدارة حرب مع إسرائيل في غزة لقلب الطاولة على مطالب السلطة والأطراف الإقليمية لتغيير الموازين فهو امر في غاية الخطورة ويترك أثرا سلبيا متزايدا لدى المواطن الفلسطيني والعربي تجاه حركة حماس في انها تستدعي الحرب والعدوان في سبيل تحقيق مصالحها الحزبية وبقاءها في الحكم على حساب المصالح الوطنية ومصالح المواطنين ،إضافة إلى تساؤل مهم : هل يمكن أن تستجيب إسرائيل لهذا الاستدراج ؟او يمكن أن تمثل لها هذه الحرب مصلحة ما في ظل الإخفاقات السابقة التي تثير حالة من الاستياء داخل إسرائيل؟ و ما الذي يضمن بقاء حماس في الحكم في حال شنت إسرائيل عدوانا جديدا على قطاع غزة ؟ تساؤلات ينبغي على قادة حركة حماس الاجابة عليها قبل الأقدام على اية خطوة غير محسوبة قد تنهي الحياة السياسية للحركة لبعض الوقت خاصة أن هناك استياء حادا من إدارة حماس لشئون غزة ناهيك عن إجراءات الاعتقال السياسي لسيدات مشهود لهم نشاطهن السياسي الفاعل في ظل انقطاع الكهرباء بشكل غير مسبوق وشكوك الأمم المتحدة لشبهات فساد في إدارة الملف ، الذي قد يمثل محركا لاحتجاجات عارمة ضد شركة الكهرباء الأمر الذي قد يتطور احتجاجا على كل شيء في قطاع غزة . لذا أرى من الواجب التأكيد على الشراكة الفلسطينية بين جميع القوى الفلسطينية تحت شعار ” شركاء في الدم شركاء في القرار ” وعدم استفراد اية قوة او فصيل مهما علا شأنه ومكانته بالسلطة والبدء الفوري بتمكين حكومة الوفاق من إدارة الشأن العام والمصالح في قطاع غزة بدءا من المعابر والوزارات من خلال تنفيذ اتفاق القاهرة التي أسست لها وثيقة الأسرى الأكرم منا جميعا في ظل إضرابهم اليوم عن الطعام الذي يشهد مساندة عظيمة من شعب عظيم واحد موحد في دعم صمودهم . كما يجب ان توقف حركة حماس فورا جميع تصريحات قيادييها المسيئة والسلبية في وسائل الإعلام وفي قنوات التواصل الاجتماعي تجهيزا لمرحلة جديدة تقوم على الوحدة والشراكة . و أن تبدأ فورا الحكومة الفلسطينية في استلام مهامها دون معوقات وبنية خالصة في حل مشكلات غزة وان توفر الموارد اللازمة لإعادة أعمار مختلف مناحي الحياة وتطوير الموازنات من خلال موازنة استثنائية بحشد الدعم الإقليمي والدولي ،وان تتحدث باسم الشعب العربي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة جسما واحدا .

بقلم الدكتور ابراهيم المصري

باحث في الشؤون الفلسطينية