تقدير موقف:أزمة رواتب موظفين غزة والسيناريوهات المحتملة

تقدير موقف

مقدمة
يعاني قطاع غزة من تردي للوضاع الاقتصادية والاجتماعية منذ سنوات، فسوء الوضع الاقتصادي أصبح يؤثر على مجمل الأوضاع الإنسانية، مما أدى تردي الأوضاع الإنسانية التي وصلت لمستويات متدنية جدا، بسبب الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني الذي تراتب عليه تداعيات خطيرة وكبيرة جدا.
ويأتي قرار الحكومة الفلسطينية بخصم بحوالي 30% من رواتب الموظفين الرسميين في غزة، لكي يضيف أعباء جديدة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي أصلا في غزة، ما آثار طرح عدة تساؤلات حول تداعيات هذه الخطوة على مجمل الأوضاع الإنسانية في غزة؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة بعد هذا القرار، وإمكانية التراجع عنه؟

أولاً: تداعيات القرار على الأوضاع الإنسانية في غزة
أدى قرار حكومة التوافق الوطني بخصم 300% من رواتب الموظفين بغزة لعدة ردود، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، التي توحدت جميعها لأول مرة في غزة ضد قرار محدد، مما شكل رأي عام قوى وضاغط على حكومة التوافق والسلطة الفلسطينية، نظراً لتأثير هذا القرار على مجمل الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية في غزة.
حيث تفاجأ الموظفون الحكوميون في قطاع غزة لدى استلامهم رواتبهم عبر أجهزة الصراف الآلي بخصم الحكومة الفلسطينية نسب متفاوتة من رواتبهم تجاوز حدها الأدنى ثلث الراتب، فيما قُطعت رواتب 543 من العاملين في جامعة الأقصى الحكومية بغزة. ورغم أن الحكومة لم تعلن مسبقاً نيتها القيام بأية خصومات من رواتب الموظفين أو قطعها وفقاً لمبادئ الشفافية، إلا أن الناطق الرسمي باسمها، “يوسف المحمود”، علل تلك الخصومات لاحقاً بـالحصار المالي الخانق المفروض على دولة فلسطين المحتلة”( ).
وحول التداعيات المحتملة لهذه القرار حذر الخبير الاقتصادي “عمر شعبان”، من تداعيات قرار حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني خصم 30% من إجمالي قيمة رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة. وأكد أن “قرار الخصم من مرتبات موظفي السلطة الوطنية في قطاع غزة جاء مفاجئا، وله تداعيات خطيرة”. وأشار “شعبان” إلى أن القرار يدفع بآلاف الموظفين إلى حافة الفقر، كون المرتبات هي المصدر الوحيد لتلك الأسر في قطاع غزة الذي يعاني من حصار إسرائيلي مشدد منذ عشر سنوات أدت لارتفاع كبير في ظاهرة الفقر والبطالة، وأوضح أن القرار سيكون له تداعيات خطيرة على علاقة السلطة الوطنية وهياكلها التنفيذية والتشريعية والسياسية في قطاع غزة، محذراً من خطورة القرار على المشروع الوطني الفلسطيني. ونوه شعبان إلى أن “القرار لا يتماشى مع تصريحات الرئيس محمود عباس التي أكد فيها مراراً أن السلطة الفلسطينية وحكومة التوافق لن تتخليا عن قطاع غزة ( ).
ومن جانبه اعتبر الباحث في الشئون الاقتصادية الأستاذ “رائد حلس” قرار الحكومة الفلسطينية بخصم 30 % من راتب الموظفين العموميين في قطاع غزة واستثناء موظفي الضفة الغربية ضربة قاسية للجميع الموظفين العموميين في القطاع، ويحمل في طياته تداعيات اقتصادية كارثية، خاصة وأن معظم السكان في قطاع غزة يعيشون في ظل أوضاعًا صعبة، تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الحياة المعيشية اليومية، بالإضافة للقيود والعقبات والحصار والانقسام وإعاقة عملية الاعمار الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع خلال السنوات الأخيرة والتي خلفت أضرارًا بالغة بالبنية التحتية والمؤسسات الإنتاجية والمرافق العامة، والمساكن، وارتفاع معدلات البطالة والفقر وانخفاض معدلات الاستثمار، بالتالي فإن هذا القرار يفاقم من معاناة السكان في قطاع غزة وينذر بحدوث كوارث إنسانية سيتحمل مسؤوليتها صانع القرار في الحكومة الفلسطينية( ).
وحول المبررات القانونية لاتخاذ هذا القرار، رأي الناشط الحقوقي الأستاذ “صلاح عبد العاطي”، أن الحجج والمبررات لخصم رواتب موظفي السلطة بغزة وقطع بعضها غير قانونية وغير اخلاقية وجريمة وطنية، وتمييز غير مبرر وعقاب جماعي وإجراء تعسفي، والحقوق تنتزع، بكفي ظلم وانقسام وكذب وتهميش، ويجب محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات ( ).
وهذا ما دعا مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية إذ يستهجن تطبيق أية سياسات حكومية تقشفية إثر الحصار المالي على موظفي قطاع غزة فقط، والذين يعيشون أساساً حصاراً خانقاً وظروفاً حياتية صعبة، فإنه يدعو الحكومة الفلسطينية إلى سرعة التراجع عن قرارها الخطير والنظر في تداعياته الكارثية التي ستطال مجمل مناحي الحياة في قطاع غزة. ويرى أن أية سياسات تقشفية يجب أن تطال كافة النفقات الحكومية، ومن أعلى هرمها، وفق سياسات واستراتيجيات تقشفية منهجية لا تمس بكرامة الموظفين وحقوقهم المالية، ورأى مجلس المنظمات أن قرار الخصم الذي يستهدف موظفي قطاع غزة دون غيرهم لا يفتقر لأي مسوّغ قانوني وحسب؛ بل يندرج ضمن الصراع السياسي الناشئ عن حالة الانقسام السياسي الداخلي، حيث ان توظيف الأموال العامة أو إدارتها من قبل الحكومة لخدمة موقف سياسي يشكل استغلالاً للسلطة، وتمييزاً مهيناً للكرامة الإنسانية ( ).
لا شك أن هذا الخصم سوف يؤثر على منظومة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية في غزة، بما ينذر بحدوث مضاعفات إنسانية في القطاع الذي يشهد تردي لمجمل الأوضاع منذ سنوات
ثانياً: إمكانية التراجع عن القرار والسناريوهات المحتملة
رغم حجم المعارضة القوية التي صدرت من كل فئات المجتمع الفلسطيني سواء في غزة أو في الضفة الغربية، إلا أن القرار لم يتم التراجع عنه، بل صدرت عدة مواقف سياسية تؤكد الاستمرار بهذا القرار، سواء من رئيس الوزراء الدكتور رامي المحمد لله الذي أكد أن القرار لم يمس الراتب الأساسي للموظفين، أو عبر تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تفهم ردة الفعل ولكن اعتبر أن هذا الامر جاء بسبب الضغوط الأوروبية.
حيث أكد رئيس الوزراء الدكتور، رامي الحمد الله، “أن رواتب موظفي قطاع غزة الأساسية لم تمس، وإنما تم خفض بعض العلاوات، وتم إبقاء بعض العلاوات، حتى نستطيع إدارة الأزمة المالية التي نعاني منها”. وأكد أن القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس يرفعون دائمًا شعار “لا دولة في غزة ولا دولة دون غزة”، مشيرًا إلى أنه تم في الـ 10 سنوات الأخيرة صرف من الخزينة على قطاع غزة ما يقارب 17 مليار دولار( ).
إلا أن هذه التصريحات تم رفضها من قبل كل الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، وخاصة حركة فتح التي دعت للتظاهر والاحتجاج ضد هذا القرار، في حين قدمت كل الأطر التنظيمية والحركية في الحركة استقالتها لمفوض التعبئة التنظيم في الحركة “أحمد حلس”، الذي حملها للرئيس محمود عباس وقيادة الحركة التي دعت لاجتماع عاجل للنظر في القرار، وفي ظل هذه المعطيات يمكن طرح مجموعة من السناريوهات المحتملة لتعامل السلطة الفلسطينية والرئيس عباس مع هذا القرار:
سيناريو التراجع عن القرار
قد تنجح الجهود التي يبذلها أعضاء من اللجنة المركزية لحركة فتح، وأعضاء شخصيات فعالة في السلطة لتراجع السلطة عن هذا القرار، الذي أدى لتداعيات كبيرة على الحركة التجارية في القطاع خلال اليومين الماضين، فقد تأثرت الأسواق الفلسطينية وتراجعت القوة الشرائية للأسرة الفلسطينية، وقل حجم الانفاق، نتيجة هذا القرار الذي أثر على أعداد كبير من الشعب الفلسطيني بغزة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
حيث أصدرت هيئة العمل الوطني التي تضم كافة الفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية، بياناً حول قرار الحكومة بخصم 30% من رواتب الموظفين في ضوء القرار المفاجئ لحكومة التوافق الوطني بإجراء خصومات ماليه كبيره مست موظفي القطاع العام في قطاع غزه عقدت هيئة العمل الوطني الفلسطيني اجماعا طارئا واكدت على ما يلي: عبرت هيئه العمل الوطني عن رفضها الشديد لهذا الاجراء معتبره اياه يفتقد لأي اساس قانوني بالإضافة الى افتقاده لأي ابعاد وطنية واجتماعية، ورفضت هيئة العمل الوطني الفلسطيني كافة التبريرات التي تقدمها الحكومة سواء ردة فعلها على ما تقوم به حركة حماس في قطاع غزة أو الأزمة المالية التي تريد تحميل وزرها لموظفي القطاع العام في غزة بما يمثل تميزاً واضحاً بين أبناء شعبنا الفلسطيني الواحد. وتحذرت الهيئة من المخاطر السياسية المترتبة على هذه الخطوة وترى فيها اسهاماً في خلق وتوسيع القاعدة الاجتماعية لتحويل الانقسام إلى انفصال تام يتقاطع مع المشاريع المطروحة للحل الاقليمي.
إلا أن نجاح هذا السيناريو يتوقف على قدرة الأطراف والفصائل الفلسطينية وخاصة حركة فتح على ممارسة ضغوط على الرئيس بهدف إقناعه بإلغاء قرار الحكومة، الذي يعتبر مخالف للقانون الأساسي الفلسطيني، ويميز بين أبناء الشعب الواحد، ويؤدي لاستمرار الانقسام.
سيناريو استمرار القرار
قد تفشل كل الجهود في اقناع الرئيس محمود عباس أو حكومته بالتراجع عن القرار، خاصة أن القرار جاء بهدف تقليل العجز في الموازنة العامة للسلطة، بما يضمن تقليل العجز في الموازنة من جانب وممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على حركة حماس جانب أخر، لدفعها للقبول بالمصالحة وإنهاء سيطرتها على غزة، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، أو دفع الموظفين للقبول بالتقاعد المبكر، والحصول على راتب تقاعدي يزيد عن بقليل عن الراتب بعد خصم 30% منه،
وما يعزز فرص تحقيق هذا الاحتمال أن الرئيس عباس قال رداً على هذه الخصومات “غالبية موظفي السلطة بغزة هم من أصحاب المشاريع وأن حجم الخصم لن يؤثر عليهم، وأن الخصم جاء لصالح فئات أخرى، لم يحددها الرئيس.

إلا أن هذا السيناريو سوف يؤدي لتداعيات سياسية واقتصادية خطيرة، أهمها استقالة تنظيم حركة فتح بشكل كامل في غزة، وحدوث فراغ تنظيمي في قطاع غزة، بالإضافة لتوجيه انتقادات حادة للسلطة الفلسطينية والرئيس عباس وحكومته من الجميع، خاصة الأصوات المنتقدة القرار بدأت بالتصاعد ضد الحكومة وأعضائها وكل من يمثلها.
إلى جانب أن استمرار هذا الخصم من رواتب الموظفين يخدم حركة حماس سياسياً، لأنه يدعم موقفها القائل إن السلطة الفلسطينية قد تخلت عن مسؤوليتها في غزة، وبالتالي استمرار هذا القرار سوف يؤدي لتدني شعبية الرئيس والقيادة الفلسطينية في غزة خاصة في تصاعد حد التظاهرات الشعبية التي تنظمها حركة فتح في غزة، وسوف يكون له انعكاسات سلبية على المستوى الإنساني والسياسي على مجمل الأوضاع في غزة.
سيناريو الحلول الوسط
يقوم هذا السيناريو على فرضية إيجاد حل وسط بين إلغاء القرار أو تجميده، وبين استمراره، عبر تفعيل قانون التقاعد المبكر لعدد كبير من موظفي غزة، مقابل خصم نسبة قليلة على باقي الموظفين لدفهم للتقديم التقاعد المبكر، وهذا السيناريو من وجهة نظري هو المرجع، خاصة أن سيناريو استمرار القرار يترتب عليه تداعيات خطيرة على مجمل الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وبالتالي، ربما تجد الحكومة والرئيس المخرج هو الحلول الوسط، التي قد يكون الهدف من افتعال الأزمة بالأساس من أجل سهولة تمريرها.
خاتمة
رغم أن أزمة رواتب موظفين السلطة في غزة، قد أحدثت حراك شعبي وسياسي كبير، يرتكز في الأساس على تداعيات استمرار الانقسام الفلسطيني على مجمل الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، إلا أن هذه الأزمة قد طرحت تساؤلات كثيرة حول مسؤولية السلطة الفلسطينية تجاه الشعب الفلسطيني في غزة، وتداعيات استمرار الانقسام الفلسطيني على الأوضاع في غزة، وقدرة الأطراف الفلسطينية على الوصول لحل لهذه الأزمة، التي أصبحت تهدد جميع سكان غزة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي قد يقود للبحث عن حلول وسط لن تردي أحد.

إعداد وتحليل/
أ‌. منصور أبو كريم

مدير دائرة الدراسات والأبحاث بمركز رؤية