الصهيونية و الحركة الرياضية في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين وحتى عام 1948

22

منذ نهاية القرن التاسع عشر حاولت الصهيونية استخدام الرياضة كوسيلة من أجل تحقيق أهدافها في فلسطين. وقد لعبت الأندية الصهيونية في أوروبا دورا هاما في صهينة الشبيبة اليهودية، وفي فلسطين  كانت مهمة هذه الأندية إعداد الشبيبة من اجل حمل السلاح والسعي من اجل إقامة الوطن القومي اليهودي ،فمنذ العشرينيات حاول الصهاينة الهيمنة على الحركة الرياضية والتفرد بها وتهميش العرب من خلال تنظيمهم للمهرجانات التي عملت على تأجيج المشاعر القومية ومن خلال تعاونهم الخبيث مع الانجليز وتأسيسهم للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ليكون ممثلا لفلسطين في الاتحاد الدولي  لكرة القدم  وليدفع العرب إلى تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي عمل بإصرار وتواصل حتى نهاية عام 1947.

تُعرّف الرياضة بأنها نشاط بدني تنافسي ووسيلة من أجل تربية الأجيال في روح التآخي والصداقة، فالقيم المعنوية والأخلاقية التي تكمن في النشاط الرياضي كانت تنعكس في تعاون الفرق اليهودية فيما بينها ومع الفرق الأجنبية التي ترتبط معها بمصالح خاصة وحول العلاقة مع العرب في فلسطين فإنها تنكرت لأي تعاون شريف معهم في المجال الرياضي مماثل في أي مجال آخر. فكما يصف ثومبسون (Richard Thompson) هذا اللا تعاون الصهيوني ” لم يسع المهاجرون اليهود منذ البدء للتعاون، لقد كانوا صهاينة وقد ذهبوا إلى فلسطين لكي يجدوا ويحيوا الصهيونية.”[i]

يشكل الفن والأدب والرياضة بشكل عام قيما معنوية وفكرية وأخلاقية للمجتمع، وتعتبر هذه العناصر بمجموعها أدوات من أجل صقل الشخصية والرقي والتقدم. ولكن ما حدث في الحالة الصهيونية هو وضع هذه العناصر في إطار أيديولوجي واستخدامها كوسائل من اجل إقامة الوطن القومي وبعث الروح القومية والتفوق العرقي وتهميش الشعب الفلسطيني.  لقد “عُبئت” الرياضة في أوروبا وصُدّرت إلى فلسطين من أجل المساهمة في تشكيل الهيئات والمؤسسات الضرورية لتهويد فلسطين وتحويلها إلى “وطن قومي يهودي”، فالرياضة كانت مثل الحركة الصهيونية التي يشير إليها إلياس شوفاني مفبركة ومصنعة.[ii] ومن الخطأ الاعتقاد أن كل الحركة الصهيونية في أوروبا كانت قد تخرجت من المؤسسات الأيديولوجية التنظيمية، فالكثير من الشباب والشابات أصبحوا صهاينة من خلال الأندية الرياضية التي اعتبرت مركزاً لصهينة الشبيبة اليهودية. وقد حاولت الصهيونية استقطاب جيل الشباب منذ بدء ظهورها على الساحة في أوروبا، حيث فيما بعد أصبح دعامتها الأساسية في كل من ألمانيا والنمسا، فلذلك كانت هناك جهود مكثفة من أجل إنشاء نوادٍ رياضية للشبيبة التي سوف تعمل جاهدة لتسخير نشاطها الرياضي لصالح نشاطها الأيديولوجي. ومن الواضح أن الحركة الصهيونية كانت مدعومة من جيل الشباب منذ البدء عندما بدأت على الساحة الأوروبية حيث كانت بعض نشاطات المجموعات الشبابية تأخذ طابعا ثقافيا والبعض الآخر يركز بشكل عام على النشاط الرياضي ، ولم يكن دخول الشبيبة فوراً في الحركة الصهيونية بل كان تدريجيا لمدة عقود عديدة حيث استطاعت الصهيونية بالتدريج أن تستقطب الحركة الشبيبة والأندية الرياضية لتخدم مصالحها.[iii] ولقد مرت الرياضة اليهودية بمراحل من (التسيّس) و(الأيديلجة) حتى أصبحت أداة طيعة وعملية في تحقيق الحلم الصهيوني ، وتأكيداً على ذلك فقد قال ماكس نوردو (أحد معاوني هرتسل) “إننا لا نريد أن نكون مجتمعا دينيا فقط ، ولكننا نريد أن نكون أمة مثل أي أمة أخرى”.[iv] أمة على الطراز الصهيوني تهتم في آن واحد بالجوانب الفكرية والبدنية للفرد اليهودي  ، ففي المؤتمر الصهيوني الثاني عام 1898 كان ماكس نوردو قد عبر عن “العضل الرياضي” والبعث القومي المرتبط  بإرادة القوة  وطالب بأن ينتهي عهد اليهودي المترهل ويبدأ عهد اليهودي ذي العضلات .[v] ورغم كل ما ذكر سابقا إلا أنه في المؤتمر الصهيوني الثامن عام 1907 تم الإشارة إلى أن المنظمة الصهيونية لم تظهر أي ميول نحو أفكار ماكس نوردو الذي أعاد الدعوة قائلا ” لقد حان الوقت لكي نكرس اهتماما أكثر إلى هذه العلاقة بين الحركة الرياضية والصهيونية .[vi]

يشير ألن تايلور في كتابه (العقل الصهيوني) أن هذه الحركة التي نظمها هرتسل عام 1887 تبنت تفسيرات صهيونية مختلفة – ثقافية، دينية، اجتماعية وسياسة “،[vii] فالرياضة كعنصر ثقافي وشكل من أشكال الوعي الاجتماعي كان لها تفسيرها في العقل الصهيوني، فهي وسيلة من أجل إعادة بناء الحس القومي وخلق “رياضة يهودية”. كما وكانت الرياضة بنظرهم وسيلة من أجل بعث حياة جديدة بدنياّ عندما قاموا بتحويل المشاعر والمفاهيم الدينية التاريخية مثل المكابي والبيتاروبار كوخبا إلى قومية صهيونية، بالإضافة إلى أنها وسيلة من أجل بناء الوطن القومي واستعادة اللغة والأدب والتاريخ وإلى جانب ذلك فإن هدف إقامة دولة إسرائيل لا يتحقق إلا إذا سبقه إعداد بدني وروحي ومعنوي للأجيال التي كان عليها تحقيق هذا الهدف، ناهيك عن أن الصهيونية أرادت إيهام العالم أن تفوق اليهود لا يقوم على المجال العلمي والفني فقط بل وعلى التفوق الرياضي أيضا. لقد أيقنت المؤسسة الصهيونية أنه لا وطن واحد دون ثقافة واحدة حيث اعتبرت الرياضة جزء مقوماً لهذه الثقافة والأيديولوجية الصهيونية، فقام مفهوم الرياضة على أساس خدمة مصالح الصهيونية فأصبحت وسيلة من أجل تحقيق الأهداف التي تهمها، وهذا ما ميز الرياضة اليهودية عن أي نشاط رياضي في أي بلد آخر، فهي كانت تشبه إلى حد ما عملية تسخير النازية الألمانية للرياضة من أجل إعداد الشبيبة الألمانية للقتال وشحنها بروح الشوفينية والتفوق العرقي. ويؤكد على ذلك ثيودور هرتسل(HERZL) عندما كتب في مذكراته معبراً عن الروح العنصرية ونكران الوجود العربي في فلسطين “يجب أن أدرب الأولاد لأن يصبحوا جنودا ….. يجب أن أعلم كل منهم أن يكون حراً، قوياً جاهزاً لكي يخدم كمتطوع عند الحاجة إليه.”[viii]

   في نهاية القرن التاسع عشر أخذت العديد من الأندية اليهودية الدخول ضمن الحركة الصهيونية والتي توحدت كلها تحت اسم اتحاد الأندية الجمبازية الألمانية JuedishTurnerschaft. فيما بعد بدأ تأسيس العديد من الأندية الصهيونية في المستعمرات الصهيونية في فلسطين ، فمن أجل تسخير النشاط الرياضي في صالح نشاطها الأيديولوجي حاولت الصهيونية أن تستقطب الأندية الرياضية اليهودية في أوروبا لكي تتبنى النشاط الثقافي الأيديولوجي ، ولم يرق لها أن بعض هذه الأندية كان نشاطها يقتصر على الرياضة وعملت جاهدة من أجل ذلك ونجحت ، فقبل المؤتمر الصهيوني الألماني عام 1912 استطاعت المنظمة الصهيونية في ألمانيا الوصول إلى اتفاقية مع المنظمات الرياضية هناك تقوم بدورها بدعم مالي لها مقابل نشر الثانية للدعاية والفكر الصهيوني مما أعطى (هذا التفاعل المتبادل بين الصهيونية والحركة الرياضية) دفعة قوية للرياضة اليهودية، كما وبالعكس فإن الحركة الرياضية ساهمت في تحقيق الأهداف الصهيونية. وقد كان هذا التفاعل متداخلا في كثير من الحالات لشدة التعاون والتنسيق بينهما بسبب تسييس الرياضة التي عززت من الأهداف الأيديولوجية الصهيونية.

في النمسا تم تأسيس منظمة رياضية Bar Kochba بار كوخبا عام 1898 حيث انتشرت فيما بعد في أقطار أوروبية أخرى، وفي عام 1883 أسس اليهود الأتراك منظمة “المكابي الرياضية” في إسطنبول. عند بدء الهجرة الصهيونية إلى فلسطين قام أحد المهاجرين اليهود من روسيا (دكتور ليو كوهين) بتأسيس جمعية الجمبازييين في يافا تحت اسم (ريشون اسرائيل) أي إسرائيل الأولى. وفي نفس الوقت تأسست جمعية رياضية أخرى هي (بارجيورا) عام 1906. فيما بعد تحول هذا النادي إلى”شمشون”،[ix] وفيما بعد دخلت هاتان الجمعيتان ضمن جمعية (المكابي) التي أسست عام 1912 في مؤتمر نستسيون (مستوطنة قرب تل أبيب). وقد كان انتشار الأندية موازيا لزيادة الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، كما وانتقلت العديد من المنظمات الشبابية التي كانت قد أسست في أوروبا إلى فلسطين. في المؤتمر الصهيوني الرابع تم النقاش حول إنشاء حركة رياضية يهودية قومية، وفي المؤتمر السادس عام 1903 تم تأسيس اتحاد عالمي يضم الأندية الرياضية الصهيونية “المكابي”. فيما بعد انتشرت هذه المنظمة في العديد من المستعمرات اليهودية في فلسطين حيث بلغ عدد أندية المكابي في فلسطين حتى الحرب العالمية الأولي حوالي العشرين، ومن المعلوم أن منظمة “المكابي” كانت قد انتشرت في كافة أنحاء العالم وحتى في دول عربية مثل سوريا ولبنان ومصر. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى بلغ عدد أندية المكابي حوالي المائة في أنحاء العالم حسب ما تشير إليه المصادر الصهيونية.

يشير شوفاني إلى أنه في إطار “الهجوم من أعلى” تقدمت المنظمة الصهيونية ، بعد تأمين الشق الإمبريالي من مشروعها ، إلى بناء الشق اليهودي – الاستيطاني . فعمدت إلى تشكيل الهيئات والمؤسسات الضرورية لتهويد فلسطين ، (التي من ضمنها المؤسسات الرياضية – الكاتب) وتحويلها إلى “وطن قومي يهودي” وذلك على الصعد الثلاثة – السلطة والشعب والأرض. ولأن الحركة الصهيونية كانت مفبركة ومصنعة ، فقد انطلقت من تشكيل السلطة ، خلافا لتبلور الكيانات السياسية في عصر القوميات . وقد بدأ ذلك في المؤتمر الصهيوني الأول (بازل 1997) ، إلا أن الأوضاع بعد الحرب أصبحت تتطلب تطويرا لليئات السلطوية . وكان من أولويات هذه السلطة تكوين قاعدة شعبية لها ، إذ إنها لم تنشأ في أوساط التجمعات اليهودية ، بل هبطت عليها من أعلى . وكذلك ، كان على تلك السلطة أن تغتصب رقعة الأرض التي تنوي إقامة كيانها السياسي عليها ، إذا إنها تبلورت في كواليس المراكز الإمبريالية، وليس في فلسطين . وهذه الخصائص الأساسية للحركة الصهيونية ، هي التي تسم مشروعها الاستيطاني بالامبريالي والعنصرية ، وخصوصا أنه يقوم على تغييب أهل البلد الأصليين وإجلائهم عن وطنهم ، وقطع صلتهم التاريخية به.

لتحميل الدراسة اضغط هنا