دراسة : تشابه كبير بين التجربة الفلسطينية والجنوب أفريقية فى السجون .. الباحث رأفت حمدونة

الباحث الأسير المحرر رأفت حمدونة

الباحث : رأفت حمدونة

مقدمـــــــة :

  يعتقد الباحث أن الحالة الفلسطينية أشبه ما تكون من حيث شكل الاحتلال وممارساته وعنصريته وأيدلوجيته بحالة الصراع فى جنوب أفريقيا ، حيث أن التجربتين قامتا على الإستيطان والتوسع وإنكار حقوق الغير ، وعمل النظامان العنصريان ” الحركة الصهيونية ونظام الفصل العنصرى في جنوب أفريقيا  ” الأبارتهايد ” ، على التوسع وتهجير السكان الأصليين والسيطرة على الأراضي ، وأوجد النظامان عدداً كبيراً من القوانين المخالفة للاتفاقيات والمواثيق الدولية .

لذلك وجد الباحث أهمية لمقارنة التجربتين الإعتقاليتين من حيث ظروف الإعتقال ونمط حياة الأسرى ، إلا أن دولة الاحتلال الإسرائيلى سجلت تفوقاً من حيث الانتهاكات بحق الشعب الفلسطينى على نظيرتها العنصرية فى الكثير من القضايا ” كبشاعة وسائل التعذيب والتحقيق ، والأحكام الردعية ، والقوانين العنصرية وتجاوز المواثيق الدولية ، وسوء الطعام كماً ونوعاً ، وقتل الأسرى عمداً ومحاولات تصفيتهم بشكل مباشر وغير مباشر ، واعتقال الفتيات بعمر 12 عام ، وتكفي الإشارة إلى أن رمز الحرية المتمثل بنيلسون مانديلا رئيس حزب المؤتمر الوطنى الأفريقى أعتقل لفترة ” ثمانية وعشرين عاماً ” ، فى حين أبقت دولة الاحتلال الاسرائيلى على اعتقال الأسرى الفلسطينيين وجثامين الشهداء المحتجزة لأكثر من ” أربعة وثلاثين ” عاماً ، وهناك الكثير من الأحكام الردعية على المعتقلين الفلسطينيين وصلت لآلاف السنين .

– مظاهر التضييق فى السجون الاسرائيلية  :

 مظاهر التضييق فى السجون الاسرائيلية لا تعد ولا تحصى بحق الأسرى فى كل تفاصيل حياتهم على مدار الساعة ، وبشكل ممنهج ومدروس سعت إدارة مصلحة السجون الاسرائيلية بمحاولات اعادة أوضاع الأسرى للمربعات الأولى من تجربة الاعتقال فى بداية الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة ، محاولة بذلك تجاوز كل تاريخهم النضالى الاعتقالى ، فقامت بحملات التنقل الواسعة في أوساطهم بهدف اعاقة استقرارهم ، وارباك الأهالى في موضوع الزيارات ، وحاولت زرع الفتن والاضطرابات بينهم ، وانتشرت الفئران والجرذان والحشرات السامة فى عدد من السجون وخاصة الموجودة فى معتقلات محاطة بالشبك فى صحراء النقب وغيرها ، وتواجدت في مناطق الانتظار والغرف ومخازن الأسرى ، حتى في بعض خيامهم أو غرفهم دون اهتمام من جانب إدارة مصلحة السجون لوضع حد لهذه الظاهرة ، وقامت بعزل الأسرى فى غياهب السجون بظروف صعبة لا تطاق مسلوبين أدنى معايير حقوقهم الإنسانية والمعيشية، وتعرض الأسرى للاعتداءات والضرب والإذلال ، ومنهم من تم عزله اجتماعياً عن سائر زملائهم فى الأقسام وعن العالم الخارجي، وعانوا من سوء أوضاع سيارات النقل ” البوصطة ” وسوء ظروف أماكن الانتظار ، ومن انتشار أجهزة التفتيش والتشويش ووجود الكاميرات فى كل زوايا الأقسام ، والاكتظاظ فى الغرف ، وانعدام التهوية ، وعدم جمع شمل الأخوة والأقارب ، ومن العقوبات الجماعية والفردية ، وسوء الطعام كما ونوعا ، والتفتيشات العارية ، والغرامات ، والبرودة والرطوبة فى الشتاء ومن حرارة الصيف ، والحرمان من زيارة المحامين وادخال الرسائل والمس بالشعائر الدينية وعدم توفير أماكن للعبادة ، وعدم التعاطى مع مطالب الأسرى فى مراسيم رمضان والأعياد والمناسبات الدينية  ، ومنعت التعليم الجامعى وتقديم الثانوية العامة ، وإدخال الكتب منافية فى ذلك المادة 94 من من اتفاقية جنيف الرابعة التى أكدت على تشجيع الأنشطة الذهنية والتعليمية والترفيهية والرياضية للمعتقلين[1] ، واتبعت سياسة الاستهتار الطبى وخاصة لذوى الأمراض المزمنة ، ولمن يحتاجون لعمليات في السجون كمرضى السرطان والقلب والسكر والضغط والكلى والغضروف وغيرها، الأمر المخالف للمبادىء الأساسية لمعاملة السجناء التى اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 1979 و 1990 على التوالى والتى أكدت على حماية صحة السجناء والرعاية الطبية للأشخاص المحتجزين ، والتى اعتبرت أن أى مخالفة فى هذا الجانب يرقى إلى درجة المعاملة الغير انسانية [2] .

وحرمت الأسرى من ذويهم عبر عرقلة برنامج الزيارات ، والاكتفاء بزيارة الوالدين والزوجة والأبناء الصغار ، ومنعت ى قطاع غزة من الزيارات لفترة طويلة وصلت لخمس سنوات متتالية فى العام 2007 ، وحرمت أهالى الضفة الغربية من التصاريح ، وقامت بتركيب الحاجز الزجاجي بين الأسير وذويه ، وضيقت على أهالى الأسرى بالتفتيشات والتأخير على الحواجز والمنع من ادخال احتياجات الأسرى من الملابس والأحذية والأغطية ، وقلصت الأوقات المسموح فيها للأسير بالمشي في الهواء وتحت الشمس ، ” وصادرت حسابات الأسرى الخاصة (الكنتينة) واستولت عليها بدون علم أو موافقة الأسير بحجة الغرامات التى تفرضها  عليهم بلا مبرر “[3] ، وقامت بالاعتداء عليهم جسدياً أثناء القمعات والرش بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحى والمطاطى والضرب بالهروات ، وقامت باقتحام السجون والأقسام والغرف عبر الوحدات الخاصة لاجراء التفتيشات والاقتحامات الليلية المفاجئة والسيطرة على السجون، وقامت تلك الوحدات بدخول الأقسام مقنعة ومسلحة ومارست الارهاب والصراخ والضرب وتقييد الأسرى ، وقامت بادخال الكلاب المدربة وعبثت بممتلكات الأسرى وصادرتها ، ” و قتلت فرقة متسادا بالرصاص الحى بين الأعوام ( 1988- 2015 )  سبعة أسرى [4] وأصابت المئات[5]، هذا بالاضافة لشهداء التغذية القسرية المحرمة دولياً فى الاضرابات المفتوحة عن الطعام والتى تسببت باستشهاد عدد من الأسرى[6].

ووفق الإحصائيات الرسمية لوحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين بلغت قائمة شهداء الحركة الأسيرة حتى نهاية العام 2015 إلى (207) أسيرا ومعتقلا منذ العام 1967 منهم (71) بسبب التعذيب، و(55) نتيجة الإهمال الطبي وسوء الرعاية الصحية، و(7) آخرين سقطوا جراء إصابتهم برصاصات قاتلة ، إضافة إلى (74) أسيرا استشهدوا جراء قتلهم عمدا وتصفيتهم جسديا بعد اعتقالهم [7]، كل تلك الانتهاكات مخالفة للقانون الدولى الانسانى التى تستوجب المسؤولية الجنائية للذين اقترفوها سواء بالفعل أو بالتقاعس عن الفعل اللازم وفق الاتفاقيات الدولية [8].

– تشابه فى التجربتين :

وجد الباحث تشابه كبير فى ظروف الاعتقال بين التجربتين ، فى ما يتعلق بوسائل النضال لتحقيق الانجازات والحقوق ، كالتمرد على قرارات السجان ، والإضراب عن مزاولة العمل فى المرافق ، وممارسة العنف ضد السجان ، رغم أن نلسون مانديلا غير مقتنع بجدوى وسيلة الإضرابات المفتوحة عن الطعام رغم استخدامه لها ، وقال عنها : ” لم تكن الإضرابات وسيلة ناجحة فى جميع الأحوال ، وكنت أعتبرها من الوسائل العاطفية ، أو الرومانتيكية غير العملية للاحتجاج ، والإضراب عن الطعام فى رأيى عمل سلبى جدا فنحن نعانى أصلاً ، وبالاضراب نعرض صحتنا للخطر بل نغازل الموت ، كنت أفضل دوماً الوسائل الايجابية القائمة على التحدى والمواجهة ، كالإضراب عن العمل أو الامتناع عن التنظيف ، والقيام بأعمال تضر بالإدارة ولا تجلب الضرر إلينا “[9] ، فكانت التجربة الفلسطينية أقرب إلى التجربة الايرلندية والهندية ، اللواتى اتخذن من الإضرابات المفتوحة عن الطعام وسيلة احتجاج سلمية لتحقيق المطالب والحقوق.

  وتشابهت التجربة الفلسطينية والجنوب أفريقية فى الصراع الدائم مع السجان فى تحقيق الحقوق ، والاهتمام بالوقت والثقافة والتعليم والأدب فيقول مانيلا فى مذكراته : ” لم يكن الخط البيانى لتحسن الأوضاع داخل السجن ثابتاً فى كل الأوقات ، كان التقدم متعثراً وغالباً ما تعقبه انتكاسات ، فربما مرت سنوات قبل أن تتحرك خطوة واحدة نحو الأفضل ، ثم إذا بهذه الخطوة تلغى فى يوم واحد ، كنا كمن يدفع صخرة عظيمة إلى أعلى الجبل ثم نراها فى لحظات تتدحرج نحو أسفله ” [10] ، و” كانت جزيرة روبن[11] بمثابة جامعة ، فمع وفود الكثير من السجناء إلى الجزيرة كانت معرفتهم بالمؤتمر الوطنى الأفريقى بسيطة للغاية ، ومن هنا شرع سيسولو يلقى عليهم دروساً عن نشأة التنظيم ، ومع مرور الوقت تحولت تلك الدروس التاريخية إلى منهج متكامل عن تاريخ المؤتمر الوطنى وحركة النضال[12]، وسجل كثير من سجناء العنبر للدراسات الجامعية ، بينما التحق آخرون لدراسة الثانوية ، ومانديلا نفسه حصل خلال الاعتقال على إجازة الحقوق من جامعة لندن ، وكانت تصله كتب الحقوق عن طريق السفارة البريطانية “[13] ، وفيما يتعلق بعوائق الابداع والثقافة كانت التجربة متشابهة حيث أن إدارة السجون فى جزيرة روبن منعت على شاكلة السجون الاسرائيلية إدخال الكتب ، وصادرت انتاجات الأسرى ، وقامت بالتفتيشات والاقتحامات للعنابر ، واتخذت من العزل الانفرادى سياسة عقابية للأسرى .

– السجون الاسرائيلية أكثر قسوة :

ظروف الاعتقال فى السجون الاسرائيلية  أكثر قسوة منها فى سجون الأبرتهايد ، حيث أن إدارة السجون الاسرائيلية تفننت فى سياسة الاستهتار الطبى ، فى حين وصف مانديلا معاملة الممرضات له فى إحدى المستشفيات بعد عملية أجريت له فى الصدر ” كانت المصحة مريحة جداً ، واستمتعت بفترة نقاهة مريحة وممتعة ، وأفرطت الممرضات بتدليلى والعناية بى ، وزودننى بالحلويات والمخدات ، وأقمن سهرة فى حجرتى ، حرصاً منهن على حضورى لمنع السجان خروجى فى مكان آخر ، وأحضرن الكعك والحلويات والهدايا ” [14]، وحاربت إدارة السجون الاسرائيلية أى معنى للحياة من تربية للطيور أو ممارسة الزراعة ، فى حين سمحت إدارة جزيرة روبن وسجن بللسمور بالزراعة وانشاء حديقة قال عنها مانديلا : ” كنت دائماً ميالاً إلى زراعة البساتين ولم تتوفر لى فرصة مزاولتها الا خلف القضبان ” [15]، ومارست إدارة جزيرة روبن على الأسرى العمل بالمحجر كما فرضت إدارة السجون الاسرائيلية على الأسرى فى بداية الاعتقال بالعمل فى شبك الدبابات ، ولكن رحلة المحجر كانت تخفف عن المناضلين فى جنوب أفريقيا ووصفها مانديلا بالقول ” كنا نسير إلى المحجر مشياً على الاقدام لمدة عشرين دقيقة ، كنا نتمتع بمشاهدة الشجيرات والأشجار الكثيفة التى تغطى الأرض ونستنشق رائحة أشجار الأوكالبتوس ونشاهد الظباء وبقر الوحش يرتع فى الحقول ، وعملنا فيما بعد بجمع الطحالب التى دفعت بها الأمواج إلى الشاطىء والتى تصدر إلى اليابان اللذين يستخدمونها سماداً لتغذية التربة ، كانت المناظر خلابة وبديعة ، وفزنا بمتعة وسعادة عالية ، رأينا السفن العملاقة ، وطائر النورس يصطاد السمك ، وعجول البحر تداعب الأمواج ، وشاهدنا باعجاب تغيرات الطقس المثيرة ” [16] ، هذا لا يعنى أن الحياة فى الجزيرة مرفهة أو مقبولة ، بل كانت إدارة الجزيرة تتعامل بعنصرية ، وبانتهاكات لحظية وتفصيلية فى كل مناحى الحياة ، فى الضرب والتفتيش ، والعمل الشاق فى المحجر، وسوء الطعام المصنوع من الذرة المطحونة ، والملابس القصيرة التى صنعت من الصوف الخفيف ، والأحذية التى صنعت من إطارات السيارات .

– الحالة الابداعية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية :

يخلص الباحث من خلال وصف الحالة الإعتقالية ، والملاحظة الشخصية بالمعايشة والمراقبة ، والتجربة الذاتية من خلال نشاطه فى معظم المؤسسات الإعتقالية أثناء السجن لفترة خمسة عشر عاماً متواصلة ، والتنقل التاريخى التحليلى من محطة إلى أخرى ، ومن خلال المقابلات الشخصية التى أجراها الباحث مع أسرى محررين من كل المناطق فى فلسطين ، ومن خلال خبرة الباحث العملية فى مجال الأسرى ما بعد التحرر [17] ومن خلال الوثائق التى هُرِبَت من السجون ، والحصول عليها بطرق ووسائل متعددة ، أن العملية المتراكمة والمتكاملة والمتواصلة والمعمقة ، والدراسة العقلية والمنطقية لا العاطفية وبالشواهد والانجازات والمعطيات أن الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة بوحدتها وعقليتها الفذة ، وخطواتها التكتيكية والإستراتيجية العنيفة والسلمية استطاعت أن تقهر إرادة سلطات الاحتلال العنصرية ، وإدارة مصلحة السجون والأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، وأن تتجاوز كل مخططاتها التصفوية والتدميرية ، واستطاعت من خلال تقديم عشرات الشهداء والعذابات والمعاناة أن تحمى الشعب الفلسطينى وأبناءه من الاسقاط ، وأن تربى وتعبىء وتخرج أجيالاً من القادة تبوأوا بعد الافراج عنهم مراكز قيادية على مستوى الفصائل الفلسطينية ، وكوادر فى المؤسسات الوطنية والنقابية الرسمية والأهلية [18].

ويخلص الباحث إلى أن الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة شكلت حالة إبداعية مميزة على صعيد بناء الهياكل والمؤسسات الاعتقالية واتخاذ القرارات ، وترتيب بنية الفصائل الداخلية ، ونمط التعاون والتنسيق بين الفصائل فى السجن الواحد وبين المعتقلات ، وعلى صعيد الاهتمام والبناء الثقافى والإنتاج الأدبى والتعليمى ، والتأثير الايجابى السياسى ، ومسيرة الإضرابات المفتوحة عن الطعام الفردية والجماعية من حيث امتداد الفترات الزمنية غير المسبوقة والانجازات التى تحققت من أنياب محتل لم يعترف بالاتفاقيات والمعاهدات العالمية والقانون الدولى الإنسانى . 

ويرى أن الأسرى كانوا أكثر حكمة ، وأعمق حنكة ، وأصلب عزيمة ، وأكثر وعى وإبداع ، فى مواجهة الأزمات ، وأكثر حرص على الوحدة الوطنية والتفاهم والمشاركة من الجميع فى اتخاذ القرارات على أسس ديمقراطية سليمة ، وأكثر كفاءة فى استقراء المستقبل بالقدر الذى يحقق الأهداف المرجوة ، والقدرة على ترتيب الأولويات وتوجيه اهتمام الأسرى للنافع والمفيد واقعاً ومستقبلاً ، وتحديد أفضل الأساليب والوسائل ببدائل متعددة تحت شعار ” صاحب بديل أو خيار واحد فاشل ” واختيار البديل الأقل تكلفة وأقرب وصول للأهداف تحت شعار ” الكرامة أولاً والحرية ثانياً ” [19].

ويشيد الباحث بتجربة الإنجاب التى خاضها الأسرى الفلسطينيون فى السجون الإسرائيلية ، كحالة ابداعية لم يشهد لها التاريخ مثيل ، وهذا ما يصنفها تجربة إبداعية بامتياز كونها مستجدة ، وتعد أحدث المعارك مع السجان من حيث الشكل والنوع والرسالة والمضمون ونوع التحدى ، ويمكن القول أن نجاح تهريب النطف من الأسرى وإنجاب الأطفال تعتبر ثورة انسانية غير مسبوقة فى وجه السجان ، ، وتميزت بعدم الركون للسجان فى قطع نسل الأسرى وحرمانهم من غريزة الانجاب والشعور بالأبوة ، واتسمت بفاعليتها وانتمائها ودورها.

ومن عناصر الإبداع ” للحركة الأسيرة  امتلاك الرؤية المستقبلية ” التى تجعل الجهات قادرة على أن ترى كيف ستكون الأمور فى المستقبل مقارنة بما هى عليه الآن [20]، ويتطلع القادة المبدعون والمبتكرون إلى ما وراء الأفق ، أنهم يتطلعون للمستقبل مع الحلم بما سيكون عليه هذا المستقبل ، كما أنهم يتخيلون المستقبل بنظرة متفائلة أو ايجابية ، كما انهم تغييريون وجديون فى طرح أفكارهم من خلال اتصالهم الفعال ويوضحون للآخرين كيفية انجاز الأهداف العامة من خلال الالتزام بالهدف الكلى [21].

ويعتقد أن تدخل الأسرى لإنهاء الإنقسام الفلسطينى عبر وثيقة الأسرى تعد خطوة إبداعية وتأتى فى سياق استشراف المستقبل المأساوى على الصعيد الوطنى على كل الاتجاهات فيما لو لم يتحقق الوثاق الوطنى ، لذا تصنف وثيقة الأسرى من أهم المشاريع التي تسعى إلى تحقيق المصالحة في ظلّ واقعٍ ازداد تعقيداً مع تغيير الظروف السياسية ، وتأتى أهميتها كونها خرجت من قيادات كانت فاعلةً ميدانياً قبل الأَسْر، ولأنها جاءت شاملةً إلى أبعد الحدود ، واعتُبرت مخرجاً من الأزمة التي تفاقمت مع تزايد المواجهات بين طرفى الانقسام [22].

كما أن التجربة الديمقراطية فى السجون ، تعد تجربة إبداعية وفريدة ، نظراً لأنها جاءت فى أجواء القمع الإحتلالى ، إضافة إلى أنها شكلت خروجاً على سياق غير ديمقراطى بالنظر إلى التركيبة الاجتماعية والسياسية التى عايشها قبل الاعتقال[23]، ولا شك أن التجربة الديمقراطية للحركة الأسيرة هى تجربة إيجابية فى التقييم العام ، وأن هذه التجربة جاءت متقدمة بمستوى كبير عن التجربة الديمقراطية خارج السجون [24] ، ويمكن القول أن ديمقراطية السجون الديمقراطية الفصائلية والحزبية سبقت ديمقراطية الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية فى معاملاتها ويومياتها ولوائحها خارج السجون ، لذلك هى مبدعة بممارساتها وأنظمتها ونظم حياتها.

– خلاصة :

 يعتقد الباحث أن الانتهاكات بحق الآخر ، والخروج عن القوانين والمواثيق الدولية ، صفات متشابهة للأنظمة الاستعمارية والعنصرية ، وغير مرهونة بجغرافيا أو بزمن ، والأمثلة كثيرة ومتكررة على امتداد التاريخ ، ولكن التجربة الفلسطينية تميزت بتنوع الوسائل النضالية ، وعملية التنظيم ، وبناء الذات ، واستغلال الوقت فى التعليم ، والتوسع الثقافى ، والانتاج الأدبى والابداعى .

– المصادر : مرفق الدراسة pdf

لتحميل الدراسة إضغط هنا

[1] – اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولى : اتفاقيات جنيف ، القاهرة  ، المركز الاقليمى الاعلامى ، 2010، ص 222.

[2]  – جون ما رى هنكرتس ، لويز دوزوالدريك  : دراسة فى القانون الدولى الانسانى العرفى ، ترجمة محسن الجمل ، بيروت، برنت رايت للدعاية والاعلان ، 2007 ، ص 377 .

[3]  – أحمد حماد ، زهـير عـابد : دور العلاقات العامة في التوعية بقضية الأسرى في سجون الاحتلال، غزة ، فلسطين ، مؤتمر الأسرى ، جامعة القدس المفتوحة ،  2013 ، ص 9 .

[4] – الشهداء الذين قتلوا بالرصاص الحى داخل السجون والمعتقلات هم: ( أسعد الشوا ، وبسام السمودى ونضال ديب ، وعبد الله أبو محروقة ، وصبرى عبد ربه ، وموسى عبد الرحمن ، ومحمد الأشقر) ، أما عن شهداء التغذية القسرية فى الاضرابات المفتوحة عن الطعام فهم ( الأسير الشهيد عبد القادر أبو الفحم فى العام 1970 ، والأسرى الثلاثة ” راسم حلاوة وعلى الجعفرى واسحق مراغة  فى اضراب 1980 ” ، ومحمود فريتخ فى العام 1984 ، وحسين عبيدات فى العام 1992.

[5] – عبد الناصر فروانة : الأسرى الفلسطينيون : آلام وآمال ، القاهرة ، صادر عن جامعة الدول العربية ، 2015، ص 228 .

[6] – المصدر نفسه  ، ص 228 .

[7] – موقع مركز الأسرى للدراسات : http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27043

[8] – اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولى :مختارات من المجلة الدولية ، برنت رايت للدعاية والاعلان ، القاهرة ، 2007 ، ص 25 .

[9]– نلسون مانديلا : رحلتي الطويلة من أجل الحرية ، ترجمة عاشور الشامس ، جوهانسبرج، جنوب أفريقيا ، جمعية النشر اللغة العربية ، 1998 ، ص 423 .

[10]– نلسون مانديلا :  مرجع سابق ، ص 396 .

[11] – فى جزيرة روبن آيلاند التابعة لجنوب أفريقيا والتى استخدمت كمعتقل للسجناء ، ومنطقة عزل وعلاج لمرضى الجذام سابقاً ، ولاحتجاز السجناء السياسيين من الحركة المناهضة لسياسة الفصل العنصري ، ومكث فيها المناضل نلسون مانديلا ثمانية عشر عاماً من ثمانية وعشرين عاماً قضاها فى الاعتقال .

[12]– محمود عبد العزيز : نلسون مانديلا ، الجيزة ، مصر ، دار الفاروق للاستثمارات الثقافية ، 2010 ، ، ص 107 .

[13] – المصدر نفسه : ص 102 .

[14] – نلسون مانديلا :  مرجع سابق ، ص 507 .

[15] – المصدر نفسه : ص 458 .

[16] – نلسون مانديلا :  مرجع سابق ، ص 436 .

[17] –  كونه شغل مستشاراً لوزير شؤون الأسرى والمحررين ومديراً عاماً بها ، وناطقاً إعلامياً باسمها فى المحافظات الجنوبية ، ومديراً لدائرة القانون الدولى ، وعضواً مكلفاً بإدارة مكتبها فى غزة نتيجة الانقسام فى أعقاب تحويلها إلى هيئة ، وعمله كمديراً ومؤسساً لمركز الأسرى للدراسات ، ومديراً للبرامج فى إذاعة صوت الأسرى  ، وعضواً فى لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية بقطاع غزة.

[18]–  كان منهم الأمناء العامون للفصائل ، وأعضاء مكاتب سياسية ولجان مركزية ومسئولى ساحات ، ووزراء وأعضاء فى المجلسين الوطنى والتشريعى الفلسطينى ، ومتنفذون فى القرارات أينما تواجدوا .

[19] –  أنظر : د محمد المصيرفى : إدارة الأزمات ، الإسكندرية ، مؤسسة حورس الدولية ، 2008 ، ص 98  .

[20]–  الدكتور حسين على : الإبداع فى حل المشكلات ، سوريا ، دمشق ، دار الرضا للنشر ، 2001 ، ص 26 .

[21]– د علاء محمد سيد قنديل : القيادة الإدارية وإدارة الإبتكار ، الأردن ، عمان ، دار الفكر ناشرون وموزعون ، 2010 ، ص 166 .

[22] –  موقع مجلة دراسات شرق أوسطية : http://www.mesj.com/new/ArticleDetails.aspx?id=255

[23] – فهد أبو الحاج: التجربة الديمقراطية للأسرى الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية في الفترة 1967-2007، القدس ، فلسطين ، مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة ، 2014م.، ص 179.

[24] – خالد الهندى : التجربة الديمقراطية للحركة الفلسطينية الأسيرة ، رام الله ، مؤسسة ناديا للطباعة والنشر ، 2000 ، ص 189 .

…………………………………

دراسات سابقة للباحث :

دراسة / الإضراب المفتوح عن الطعام ( التعريف ، والجذور ، والقانون ، والأنواع ) 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27436

دراسة / أطفال النطف المهربة ثورة انسانية فى وجه السجان 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27528

دراسة / التجربة الديمقراطية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27819

دراسة / الأوضاع التعليمية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27754

دراسة / المسيرة الثقافية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27717

دراسة / أدب السجون التعريف والمميزات

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27645

دراسة / وثيقة الأسرى لا زالت مفتاح المصالحة الفلسطينية وانهاء الإنقسام 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27577

دراسة / عوامل ابداع الأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27433

دراسة / آليات اعتقالية لتطوير منظومة الإبداع للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27967

دراسة / الوسائل النضالية للأسرى الفلسطينيين في مواجهة السجان الاسرائيلى 

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=27875

دراسة / عن الوضع القانونى ومحطات الاعتقال والتعذيب للأسرى الفلسطينيين فى السجون

http://alasra.ps/ar//index.php?act=post&id=28106

 

تعريف بالباحث رأفت حمدونة :

– مواليد مخيم جباليا 8/8/1970 ، اعتقل في العام  1990 م على خلفية نضالية وحُكم عليه بالسجن لمدة  15 عام  وإغلاق جزء من بيته ، أمضى فترة اعتقاله في سجون عدة منها ” عزل الرملة ، عسقلان ، نفحة ، بئر السبع ، هداريم ، ريمونيم ، جلبوع ”  وتم تحريره في 2005 بعد قضاء كامل محكوميته ، حصل على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع والعلوم الإنسانية من الجامعة المفتوحة في إسرائيل خلال فترة اعتقاله ، وحاصل على درجة الماجستير في الدراسات الإقليمية مسار ” دراسات إسرائيلية ” وبتقدير ممتاز من جامعة القدس / أبو ديس ، والدكتوراة فى مجال العلوم السياسية بمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة ، وحصل على درجة الماجستير المهني تخصص تدريب وتنمية بشرية بتقدير ممتاز من البرنامج المشترك بين الأكاديمية الدولية وبولتكنيك المستقبل التطبيقى ، ومدرب محترف معتمد من المركز العالمي الكندي ، وعضو في فى نقابة الصحفيين ” الفلسطينيين والعرب والدوليين ” .

من مؤلفاته داخل الاعتقال ” نجوم فوق الجبين – عاشق من جنين – الشتات – ما بين السجن والمنفى حتى الشهادة – قلبي والمخيم – لن يموت الحلم – صرخة من أعماق الذاكرة ، يعمل مديرًا عامًا بهيئة شئون الأسرى والمحررين ، وعضو لجنة مكلف بإدارتها فى المحافظات الجنوبية ، وناطقاً اعلامياً لها فى إحدى الفترات ، ومديراً لدائرة القانون الدولى ، ومستشاراً لوزير الأسرى فى الشأن الاسرائيلى ، ومديراً لمركز الأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية ، ومدير البرامج فى إذاعة صوت الأسرى ، ومحاضر غير متفرغ فى الجامعات الفلسطينية ، ومقدم برامج اذاعية وتلفزيوينة .

 للمراسلة على اميل :

rafathamdona@yahoo.com //