التحرك السياسي السعودي واعادة ترتيب المنطقة

12939483_1077806898948196_884489108_n
منذ أن تولى العاهل السعودي الحالي، الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في البلد النفطي، عقب وفاة أخيه الملك عبد الله، حدث تحولاً كبيراً على السياسية الخارجية السعودية وفق مبدأين، تركيز الأول: على مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، فيما ما بات يعرف بالصراع السياسي والمذهبي بين إيران والسعودية حول الزعامة  في منطقة الشرق الأوسط، التي تحولت لساحة حرب عسكرية وسياسية ودبلوماسية بين الجانبين وحلفائهم من الدول والأحزاب والحركات. وتمثل الثاني: في التراجع عن معاداة حركات الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، عقب سقوط الجماعة في مصر وعزل مرسي، وقد ترافق هذا التحول في السياسية الخارجية السعودية  مع تولي جيل الشباب القيادة في النظام السياسي متمثل في تولي الأمير “محمد بن نايف” ولاية العهد ومنصب نائب رئيس الوزراء، وتولي الأمير “محمد بن سلمان”، وزارة الدفاع ومنصب نائب نائب رئيس مجلس الوزراء، الأمر الذي يعني حدوث تغير على مستوى الفكر والممارسة في تنفيذ السياسة الخارجية السعودية.
ولطالما شهدت العلاقات بين إيران والسعودية احتقاناً وتوتراً كبيرين منذ عقود، وإرث هذا التوتر أدى إلى اشتعال الخلافات واحتدام حرب التصريحات المتبادلة، ولاسيما أن الظروف الإقليمية تلقي بظلالها دائماً على العلاقة بين البلدين، فقد أخذ الصراع السعودي الإيراني بعداً جديداً خلال الفترة الماضية، خاصة بعد بروز أكثر من أزمة  ونقطة خلاف بين الطرفين. ومن جهة أخرى  تعتبر السعودية وإيران الوريثتين الشرعيتين للخلاف التاريخي بين الدولة “الصفوية الشيعية” والدولة “السنية العثمانية”. فقد خرجت تركيا من دائرة الصراع في المنطقة بعد سقوط دولة الخلافة وتولت المملكة العربية السعودية السنية الناشئة دفة ادارة الصراع التاريخي مع الصفويين وتمايزت معالم هذا الصراع الدائم بين السياسة والدين والمذهب والنفوذ الاقتصادي والعسكري في دول الجوار.
 وتفاقم الخلاف مرة أخرى في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران وقيام نظام ولأية الفقيه، واحتدام الخلاف الأيديولوجي بين البلدين، ومع مرور الوقت زادت الأمور تعقيداً. ورغم كل محاولات التقارب في عهد الرئيسين السابقين “هاشمي رفسنجاني” و”محمد خاتمي”، وخلق أجواء إيجابية بين البلدين، لكن بعد تولي الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، تأزمت الأوضاع، خصوصاً أنها مرحلة تزامنت مع عدد من المتغيرات الحاسمة؛ إذ إن طهران طورت برنامجها النووي ودخلت في صراع مع الغرب. بالإضافة إلى ظهور تحالفات إقليمية عززت التوتر السياسي والاقتصادي ضمن إطار الصراع ما كان يعرف بحلف الاعتدال والممانعة.  ومع بدأ الربيع العربي في عدد من البلدان في المنطقة، وتحول المشهد إلى صراع إيراني سعودي، ولكن خارج أراضي البلدين، فتباينت المواقف السعودية الإيرانية في سورية والبحرين واليمن والعراق وفلسطين. وجاءت حادثتي إعدام السعودية  “نمر النمر”، وحادثة  “منى ” أثناء موسم الحج الماضي، الذي أدى لمقتل عدد من الحجاج الإيرانيين لكي تصب الزيت على النار في العلاقة المتوترة ما بين السعودية إيران، ولكي تضيف مزيداً من التوتر والصراع السياسي والطائفي بين البلدين الكبيرين في المنطقة.
ونتيجة لاحتدام الصراع السياسي والمذهبي بين البلدين والمحورين المتناقضين، حاولت السعودية جاهدة وقف التمدد الإيراني في المنطقة الذي ساعدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، من خلال تبني مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي عمل على نشر الفوضى الخلاقة في المنطقة، والذي أدى لسقوط أنظمة سياسية عربية واستبدالها بأنظمة سياسية أخرى، ساهمت على تعزيز التواجد الإيراني في المنطقة، كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن، ولبنان. لذلك ونتيجة شعور السعودي بالخطر الداهم من التمدد الإيراني خاصة في اليمن والتي تعتبر الحديقة الخلفية للبلد النفطي، شنت الأخيرة عملية عاصفة الحزم بعد أسابيع قليلة من تولي الملك “سلمان” مقاليد الحكم، وعملت على تكوين تحالف عربي وإسلامي مساند لها في مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، وحاولت جاهدة لقطع أذرع إيران من خلال إصدار قرار من الجامعة العربية باعتبار “حزب الله” منظمة ارهابية.
 وخلال القمة الإسلامية المنعقدة في تركيا، عملت المملكة العربية السعودية تحت القيادة الشابة على إعادة ترتيب المنطقة، من خلال تكوين جبهة عربية وإسلامية موحدة في مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة، من خلال محاولة انهاء الخلافات المصرية التركية، المثارة بين البلدين منذ عزل مرسي صيف عام2013، ورغم فشل الدبلوماسية السعودية في انهاء الخلافات المصرية التركية، إلا أنها نجحت في تجنيد الدول العربية والإسلامية السنية خلال القمة الإسلامية في صفها، ووجهت ضربة قوية للمحور الإيراني من خلال البيان الختامي عن القمة الإسلامية، الذي أدان بشدة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية، والذي اعتبر “حزب الله “منظمة إرهابية، تعمل على إثارة القلاقل والفتن في بعض الدول العربية والاسلامية.
وبهذا البيان والذي حمل خمس نقاط تدين إيران وحلفائها تكون السعودية  قد استطاعت التربع على رأس الهرم السياسي في المنطقة، خاصة بعد نجاحها في تجنيد الموقف العربي والإسلامي ضد المحور الإيراني والذي عبر عنه البيان الختامي لمنظمة التعاون الاسلامي في تركيا، وبذلك تكون المملكة العربية السعودية قد كسبت جولة جديدة من جولات الصراع السياسي والمذهبي مع إيران وتربعت على رأس الهرم السياسي في العالم العربي والاسلامي نظراً لما تمتلكه من نفوذ سياسي واقتصادي كبير، خاصة في ظل تراجع الدور المصري، بسبب الأزمات التي تعاني منها على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي.
  بقلم/ منصور أبو كريم
مدير دائرة الدراسات والأبحاث