“الأنفاق السرطانية” في القدس

 

فداء رويضي

عند زيارتك لقرية سلوان جنوب المسجد الأقصى، فأول حي سيصادفك هو “وادي حلوة” والذي سمي بهذا الإسم نسبة الى الحاجة حلوة زوجة مختار الحي والتي استشهدت على يد أحد القناصة عام 1948، وكغيره من أحياء القدس لم يبقى الحي على حاله، فبنيت مستوطنة “مدينة داوود”، وبدأ المستوطنون يتوافدون الى الحي بأعداد كبيرة، رفعت أعلام الإحتلال، وبدأوا بالتنكيل بسكان الحي البالغ عددهم 6000 نسمة.

1

 

لم يكتفوا بالسيطرة على ما فوق الأرض، فتغلغلوا تحتها، وحفروا خمسة أنفاق، أطلق عليها السكان “الأنفاق السرطانية”، لأنها كالمرض الخبيث الذي يدمر كل شيء في طريقه، فأدت هذه الحفريات الى تصدع العديد من منازل سكان الحي وكذلك منشآت تجارية، وباتت معرضة لخطر الانهيار التام.

تتجلى عورة الحفريات في فصل الشتاء، فتقول الحاجة مريم بشير وهي مالكة منزل متضرر من الحفريات: “قطنت منزلي هذا منذ عام 1965، وقبل سنتين من اليوم بدأت بسماع أصوات الحفريات، لم أصدق الأمر في البداية، فمنزلي بعيد نسبيا عنها، لدرجة أنني ظننت هذه الأصوات سببها اهتزازات من الحديد، وأحضرت عمالا لفحص ذلك، حتى سقط الباب الحجري “الباب الرئيسي” علما أن سمكه كبير جدا، حينها أيقنت أن الحفريات بدأت تحت منزلي وحوله”.

الحمام في منزل االحاجة مريم مدمر كليا، والتشققات واضحة في كل المنزل، والسور الفاصل بينها وبين الجيران على مشارف السقوط في أي لحظة من شدة التصدع، وأسفل الدرج الخارجي، الأرض “هابطة” بشكل كبير.

2

 

بجانب الحاجة مريم يسكن سليمان عويضة، ولا يختلف الوضع في منزله، فالتشققات في كل مكان بالمنزل، وبعضا من البلاط مدمر، يقول سليمان:” لدي 4 أولاد من ذوي الاحتياجات الخاصة، أخاف أن يسقط السور عليهم، فهم لا يملكون الوعي الكافي لإنقاذ أنفسهم، كذلك فلا أستطيع أن أوفر لهم التدفئة اللازمة، فالبيت من شدة التشققات بات في حالة رطوبة دائمة”.

3

 

تشاركهم المعاناة هدى صيام قائلة: “ثلاث سنوات وأنا أعاني من مشكلة الحفريات، ابني عمره 14 عاما وابنتي في الجامعة، لم يعودوا يستخدموا غرفتهم من شدة التشققات داخلها، يخافون من سقوط السقف، بنيت لهم في وسط المنزل غرفة من الجبصين، وفي الشتاء ينزل المطر الى داخل المنزل”.

أما فؤاد صيام مالك محل تجاري بالقرب من الحفريات مباشرة يقول: “بفصل الشتاء تفسد البضائع من شدة الماء الذي يدخل المحل من التشققات في سقفه، لم أعد أعمل كالسابق، فالناس باتت خائفة من الاقتراب من المحل، بعد أن هبطت الأرض مقابله”.

 

يضيف صيام: “المشكلة الأكبر في الفترة الأخيرة تزايد عدد العمال الذين يشاركون بحفر الأنفاق، فلكل عامل سيارة، يقوموا بركنها أمام المحل، فيغطوا بابه، وأحيانا آخرى يقفوا في نصف الشارع ويغلقوا الطريق بالشاحنات المحملة بالأتربة، ما يخلق أزمة خانقة”.

هؤلاء السكان بالكاد يعتاشون من قوت يومهم ولا يستطيعون ترميم كل هذه الأضرار الناجمة عن الحفريات، فتقول الحاجة مريم: “لا نستطيع إصلاح الأضرار، هذا أكثر من طاقتنا، أستطيع أن أوفر كل شهر تقريبا 500 شيكل، لكني لا أستطيع أن أدفعها كل يوم لعامل مختلف ليصلح كل ضرر ينجم عن الحفريات”.

يتفق معها سليمان عويضة العاطل عن العمل منذ أشهر، فيقول: “ليس بمقدوري أن أعمر منزلي لوحدي، لدي 4 أولاد من ذوي الاحياجات الخاصة، وبالكاد أوفر مصروفهم”.

وكذلك الحال بالنسبة لهدى التي تقول: “ابنتي بالجامعة، ومصاريف الجامعة عالية الثمن، وبالكاد أوفرها، وأنا أرملة، لا أملك أموالا لأستصلح بها”.

حي وادي حلوة الذي تحول الى منجم تنقيب عن الآثار المزعومة، حيث بدأت الحفريات فيه عام 2007، ففي هذا العام استيقظ الأهالي على صوت انهيار في الشارع الرئيسي، وحينها منع المستوطنون السكان من معرفة السبب، فتوجهوا الى المحكمة العليا، وتمكنوا من استصدار أمر احترازي لوقف العمل أسفل منازلهم لمدة 14 شهرا، بعدها أصدرت المحكمة قرارا يسمح للجهات الاسرائيلية بمزاولة أعمال الحفر بشرط عدم تشكيل أية خطورة على حياة السكان، لكن ذلك لم يحصل، وما يحدث في الحي هو عمليات حفر وشق متواصل دون الأخذ بعين الاعتبار سلامة السكان.

 

وعادت الحفريات عام الفين وتسعة وهي مستمرة الى اليوم، تتجمع الأنفاق في ساحة باب المغاربة ثم تتوزع تجاه حائط البراق، فسلطة الأثار منحت جمعية العاد الاستيطانية الإشراف على هذه الحفريات، التي جعلت البيوت وكأنها تعرضت لزلزال، والجدران باتت بالكاد تشكل بيتنا، وحياة السكان مهددة في اي لحظة، بل أنها أيضا تخفي في طريقها الآثار الاسلامية والمسيحية القديمة، فدمروا مقبرة عباسية وأخفيت آثارها بالكامل، في المقابل فإن عروضا مالية ضخمة تقدم لأصحاب هذه المنازل للتنازل عنها تصل الى ملايين الدولارات، لكنهم صامدين أمام هذه الهجمة الاستيطانية رغم ما يحصل وسيحصل.

 

مصدر التقرير

http://www.raya.ps/ar/news/929218.html